الإنسان ؛ لأن الجميع في حرم رب الجميع ، وتلك مسألة تصنع رعشة ورهبة إيمانية في النفس البشرية . وتكون فترة الحج هي فترة الانضباط الإيمانى . وتتوافق فيها كل أجناس الوجود . فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوان وكذلك النبات ، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون ؛ لأن الحيوان يخدم الإنسان ، والنبات يخدم الحيوان ، والجماد يخدم الكل ، وهو خادم غير مخدوم . ويصنع الحق حماية للجماد في الكعبة نفسها ، فيأمر الناس باستلام الحجر الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالإشارة إليه .
فهذا السيد العالي - الإنسان - على النبات والحيوان يأتي إلى جماد فيعظمه ويوقره ، فالذي لا يستطيع تقبيل الحجر الأسود عليه تحيته بأن يشير إليه بيده ، حتى يكون الحج مقبولا منه ؛ لذلك يتزاحم الناس للذهاب إلى الحجر الأسود ، وهكذا يكون الجماد مصونا في بيت اللّه الحرام . ويعوضه اللّه بأن جعله منسكا ، وجعله شعيرة وجعل الناس تزدحم عليه وتقبله بينما لا يقبل الإنسان الحيوان أو النبات ، لكنه يقبّل الجماد أدنى الأجناس . وهذه قمة التوازن الوجودي . فالإنسان المختار التعالى على الأجناس يذهب صاغرا لتقبيل أو استلام الحجر الأسود بأمر اللّه .
ويرجم الإنسان حجرا آخر هو رمز إبليس ، وذلك حتى يعرف الإنسان أن الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها ، ولكنها أوامر الآمر الأعلى ، حتى لا يستقر في ذهن الإنسان تعظيم الحجر ، فالحاج يقبل حجرا ويرجم ويرمى حجرا آخر .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ » ؛
لأن اللّه جعل الشعائر لتحقق الانضباط الإيمانى ، وبقاء ذكر الاستخلاف للّه فلا يدعى أحد أنه أصيل في الكون ، بل الكل عبيد للّه . والوجود كله هو سلسلة من الخدمة ؛ فالإنسان يخدم الإنسان ، والحيوان يخدم الإنسان ، والنبات يخدم الإنسان والحيوان ، والجماد يخدم الكل ؛ لكن لا أحد أفضل من أحد ، بل الجماد نفسه مسبح بحمد اللّه ، وقد لا يسبح الإنسان .
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 )
( سورة الأحزاب )