الجزء الخامس
[ تتمة سورة النساء ]
« وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً »
أي أنه سبحانه يعطى المهاجر أشياء تجعل من كان يستضعفه ويستذلّه يشعر بالخزى إلى درجة أن تكون أنفه في الرّغام .
والمستضعف في أرض ما يجد من يضيق عليه حركته ، لكنه عندما يهاجر في سبيل اللّه سيجد سعة ورزقا .
ويتابع الحق الآية :
« وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
ولا أحد يعرف ميعاد الموت . فإن هاجر إنسان في سبيل اللّه فقد لا يصل إلى المراغم ؛ لأن الموت قد يأتيه ، وهنا يقع أجره على اللّه . فإذا كان سبحانه قد وعد المهاجر في سبيله بالمكان الذي يرغم أنف خصمه وذلك سبب ، ومن مات قبل أن يصل إلى ذلك السبب فهو قد ذهب إلى رب السبب ، ومن المؤكد أن الذهاب إلى رب السبب أكثر عطاء . وهكذا نجد أن المهاجر رابح حيا أو ميتا .
« وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
وكلمة
« وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ »
أي سقط أجره على اللّه .
كأن الحق سبحانه وتعالى يقول للعبد : أنت عندما تهاجر إلى أرض اللّه الواسعة ، إن أدركك الموت قبل أن تصل إلى السعة والمراغم ، فأنت تذهب إلى رحابى . والمراغم سبب من أسبابى وأنا المسبب .
وحتى نفهم معنى :
« وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ »
علينا أن نقرأ قوله الحق :
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ
( من الآية 82 سورة النمل )
والوقوع هنا هو سقوط ، ولكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه ، بل هو الذهاب إلى اللّه . ولماذا يستخدم الحق هنا « وقع » بمعنى « سقط » ؟
هو سبحانه يلفتنا إلى ملحظ هام : حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص العبد عليه ، فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه وهو عند اللّه ،