المأزق ، فلم يأخذوا الأمر بالاعتدال دون إفراط وتفريط ، لقد كفر اليهود بعيسى واتهموا مريم بالزنا ، وهذا غلو في الكره ، وغالى النصارى في الحب لعيسى فقالوا :
إنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة ؛ وهذا غلو ، ويطلب الحق منهم أن يقفوا من أمر الدين موقف الاعتدال :
« لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ »
.
إن أمر المنهج لا يحتاج إلى غلو ، ولذلك جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من عند اللّه بالدين الوسط الذي يضع كل أمر في نصابه . وشرح لنا بإخبارات النبوة وإلهامها ما سوف يحدث للإمام علي بن أبي طالب - رضى اللّه عنه - ، وقد حدث ما تنبأ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فالخوارج كفّروا عليا ، والمسرفون بالتشيع قالوا : إنه نبي ، وبعضهم زاد في الإسراف فجعله إلها .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلىّ - كرم اللّه وجهه - :
« إن فيك من عيسى مثلا . أبغضته اليهود حتى بهتوا أمّه ، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له » .
وكما قال سيدنا على - كرم اللّه وجهه - : « ألا وإنه يهلك فىّ اثنان : محب يقرظنى بما ليس فىّ ، ومبغض يحمله شنآنى على أن يبهتنى ، ألا إني لست بنبىّ ولا يوحى إلىّ ، ولكني أعمل بكتاب اللّه وسنة نبيه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما استطعت ، فما أمرتكم من طاعة اللّه فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم » « 1 » .
وقد أخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا أن المحب الذي يغالى في حبه ليس مع علىّ وكذلك الكاره المبغض ؛ فالذي يحب عليا بغلو جعل منه إلها أو رسولا ، والذي أبغض عليا جعله كافرا . وكذلك النصارى من أهل الكتاب جاءوا إلى عيسى فأحبوه بغلو وجعلوه إلها أو ابن إله أو ثالث ثلاثة ، فيقول لهم الحق :
« لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ » .
وقوله الحق :
« عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ »
رد على غلو اليهود الذين رفضوا الإيمان بعيسى ، وقالوا في عيسى وأمه البهتان العظيم .
هامش
( 1 ) - رواه الإمام أحمد في مسنده .