على أن العقل يجب أن تكون له وحدة تفسيرية ، فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلاد بالنسبة لعيسى ابن مريم لا بد أن يستشعر الإنسان أن الأمر قد جاء على غير سنة موجودة ، وساعة يبلغنا الحق أن بني إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم ، وأن اللّه رفعه إليه تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية مخالفة ، ولا بد أن نصدق ما بلغنا اللّه به ، وأن يتذكر العقل أن الميلاد كان مخالفا ، فلماذا لا تكون النهاية مخالفة أيضا ؟
وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء من غير أب ، لا بد أن نصدق أن الحق قد رفعه في النهاية وأخذه ، فلم يكن الميلاد في حدود تصور العقل لولا بلاغ الحق لنا ، وكذلك الوفاة لا بد أن تكون مقبولة في حدود بلاغ الحق لنا . والميلاد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل منهما عجيبة . وإن فهمنا العجيبة الأولى في الميلاد فنحن نعتبرها تمهيدا إلى أن عيسى ابن مريم دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب ، فلماذا لا يخرج منها بأمر عجيب ؟ وإن حدثنا الحق أن عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن لا نستعجب ذلك ؛ لأن من بدأ بعجيب لا عجب أن ينتهى بعجيب .
وسبحانه وتعالى حكم وقال :
« وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ »
وكلمة
« شُبِّهَ لَهُمْ »
هذه هي دليل على هوج المحاولة للقتل ، فقد ألقى شبهه على شخص آخر . وذلك دليل على أن المسألة كانت غير طبيعية ، ليس فيها حزم التبيّن من المتربصين القتلة . ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا عيسى كانوا يلفون رؤوسهم ويدارون سماتهم ، ولذلك قال الحق لنا :
« وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ »
أي أنهم قد شبه لهم أنهم قتلوه .
واختلفت الروايات في كلمة
« شُبِّهَ لَهُمْ »
، فمن قائل : إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه دخل خوخة ، والخوخة هي باب في باب ، وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة ، وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد ، وفي سقف البيت توجد فتحة وكوّة اسمها ( روزنة ) أو ( ناروظة ) .
فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة ، ودخل خلفه رجل اسمه « تطيانوس » وعندما