أن يكون مجىء عيسى عليه السّلام بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية ، فأوجده من أم دون أب ، فكان هذا آية على طلاقة قدرته ، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالا على غير مراد اللّه ، فكذبوا عيسى ، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالإنجيل . ووقفوا أمام رسالته بعنف ، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون ، هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم ، وكان عندهم شريعة تقتضى الرجم للزانية ، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى ؟ ولماذا لم يعاقبوها حسب شريعة التوراة ؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجئ عيسى عليه السّلام بالإنجيل ليقولوا : يا فاعل يا ابن الفاعلة . كان انتظارهم دليلا على أن ميلاد عيسى عليه السّلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك ، فقد نطق عيسى عليه السّلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قطّ ؛ لأن ما حدث أمر فوق منطقها ، وجهزها اللّه لهذا الموقف ، وأمرها بالصمت عندما يسألونها ، وأن تشير إلى المولود الذي في المهد :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
( 31 )
( سورة مريم )
وانبهروا انبهارا فتت فيهم القوى ، فقوى الخصومة ساعة ترى هذا لا تجد إلا الانهيار ، فالحق أبلج ، والباطل لجلج . إذن كان الأمر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم ، فلماذا لم يرجموا أم عيسى إذن ؟ . لا بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل ، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن مريم في المهد :
( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا )
وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار ، وتخور قواه .
هذا من ناحية اليهود ، فماذا عن ناحية بعض أتباع عيسى عليه السّلام ؟ . إن صبيا يتكلم في المهد هو معجزة بكل المقاييس ، فكيف تخلو كتبهم من قول عيسى في المهد :
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ »
وكان لا بد أن تكون الكلمة مدروسة بعناية ، وألا تنسى .
وحفظ جنود اللّه سبحانه وتعالى الكلمة ، التي تؤكد بشرية عيسى عليه السّلام .
وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد ، ولكننا فقط