يقول لمساويه الذي يأمره : لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك ؟ إنك لا بد أن تقنعنى بالحكمة من ذلك الأمر ، لكن عندما يؤمن الإنسان بإله واحد قائم بالقسط ، ويصدر من هذا الإله أمر ، فعلى الإنسان الطاعة .
إذن . . فالإسلام معناه الخضوع ، والاستسلام بعزة وفهم ، وعزة وتعقل ؛ لأن هناك عبودية تعقّل عندما يقف الإنسان عند المعنى السطحي ، وهناك عزة تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ، إن هذا هو عزة العقل فلا يستهويه أي شئ سوى الخضوع للأمر الثابت الذي لا يتناقض أبدا .
فمادام اللّه إلها واحدا قائما بالقسط فإني كعبد من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه ، فهذه عزة في الفهم وعزة في التعقل ، وعزة في العبودية أيضا ، لأننى أعبد اللّه الذي هو فوق كل المخلوقات والكائنات ، ولا أعبد مساويا لي ، وإن الذي يعبد مساويا له لا يملك إلا إنفة وحميّة الذليل ، وما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام للّه فهو خضوع لغير مساو ، و « أسلم » أي دخل في السلم ، أي دخل في الصلح ، وعدم التناقض ، وفي الأمان والراحة ، أي خلص نفسه من كل شئ إلا وجه اللّه ؛ ولذلك يقول الحق :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 29 )
( سورة الزمر )
كأن اللّه يريد أن يوضح لنا الفرق بين الخاضع لأمر سيد واحد ، وبين الخاضع لسادة كثيرين . وضرب اللّه لنا المثل بالأمر المشهور عندنا ، فقال ما معناه : هب أن عبدا له من السادة عشرة ، وكل سيد له منه طلب ، فماذا يصنع ذلك العبد ؟ وعبد آخر له سيد واحد ، هذا العبد يكون مستريحا لأنّ له سيدا واحدا ، بينما الآخر المملوك لعشرة تتضارب حياته بتضارب أوامر سادته العشرة .
إذن فالعبد المملوك لشركاء تعيس ؛ لأن الشركاء غير متفقين ، إنهم شركاء