كذلك الغيظ يفعل في النفس البشرية ، إنه يهيجها ، واللّه لا يمنع الهياج في النفس لأنه انفعال طبيعي ، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها اللّه لمنع أسبابها في التكوين الإنسانى . إنما هو يريدها لأشياء مثلا : الغريزة الجنسية ، هو يريدها لبقاء النوع ، ويضع من التشريع ما يهذبها فقط ، وكذلك انفعال الغيظ ، إن الإسلام لا يريد من المؤمن أن يصبّ في قالب من حديد لا عواطف له ، لا ، هو سبحانه يريد للمؤمن أن ينفعل للأحداث أيضا ، لكن الانفعال المناسب للحدث ، الانفعال السامي الانفعال المثمر ، ولا يأتي بالانفعال المدمر .
لذلك يقول الحق :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
( من الآية 29 سورة الفتح )
فالمؤمن ليس مطبوعا على الشدة ، ولا على الرحمة ، ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان ، فالحق سبحانه يقول :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
( من الآية 54 سورة المائدة )
وهل هناك من هو ذليل عزيز معا ؟ نقول : المنهج الإيمانى يجعل المؤمن هكذا ، ذلة على أخيه المؤمن وعزة على الكافر . إذن فالإسلام لا يصب المؤمنين في قالب كي لا ينفعلوا في الأحداث .
ومثال آخر : ألم ينفعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين مات ابنه إبراهيم ؟ لقد انفعل وبكى وحزن . إن اللّه لا يريد المؤمن من حجر . بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للأحداث ولكن يجعل الانفعال على قدر الحدث ، ولذلك قال سيدنا رسول اللّه عند فراق ابنه : ( إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنّا بفراقك