إن الرجل - على سبيل المثال - قد يجد بئرا يأخذ منه الناس الماء ، فإن لم يكن من أهل العزم فإنه يتركه على حاله . وإن كان طالحا فقد يردم البئر بالتراب . أما إن كان الرجل من أهل الصلاح والعزم فهو يحاول أن يبدع في خدمة الناس التي تستقى من البئر ، فيفكر ليبنى خزانا عاليا ويسحب الماء من البئر بآلة رافعة ، ويخرج من الخزان أنابيب ويمدها إلى البيوت ، فيأخذ الناس المياه وهم في المنازل ، إن هذا الرجل قد استخدم فكره في زيادة صلاح البئر .
إذن فكلمة « رجل صالح » تعنى أنه صالح لأن يكون خليفة في الأرض وصالح لاستعمار الأرض أي أن يجعلها عامرة ، فيترك الصالح في ذاته ، أو يزيده صلاحا ، ويحاول أن يصلح أي أمر غير صالح . الرجل الصالح عندما يعمل فهو يحاول أن يجعل عمله عن عمق علم ، فلا يقدم على العمل الذي يعطى سطحية نفع ثم يسبب الضرر من بعد ذلك .
ومثال ذلك حين اخترعوا المبيدات الحشرية ظنوا أنهم تغلبوا على الآفات في الزراعة ، لكنهم لم يعرفوا أنهم قد أضروا بالزراعة وبالبيئة أكثر مما أفادوا ، لذلك عادوا يقولون : لا تستعملوا هذه المبيدات ؛ لأنها ذات أضرار جمة ؛ ولهذا لا بد أن يكون كل عمل قائما على قواعد علمية سليمة ، ولنقرأ قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 )
( سورة الإسراء )
وقوله سبحانه :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
( 104 )
( سورة الكهف )
إذن فقد أكرم اللّه من آمن من أهل الكتاب فوصفهم الوصف الحقيقي ، فهم يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون ، ويؤمنون باللّه واليوم الآخر ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويسارعون في الخيرات ، ثم يحكم الحق عليهم حكما عاما بأنهم من الصالحين لعمارة الكون والخلافة في الأرض .