خلق ، لكن الذي قال ذلك هو الذي خلق ويخلق ويعلم ، فمن أين يأتي التناقض ؟
وهذا معنى القول الكريم :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( 82 )
( سورة النساء )
إنه قول حق جاء من عند العليم أزلا ، ومن العجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى يتمسحون في سيدنا إبراهيم ، فقال بعضهم : إن إبراهيم عليه السّلام كان يهوديا ، وبعضهم قال : إن إبراهيم كان نصرانيا . وكان يجب أن يفهموا أن اليهودية والنصرانية إنما جاءتا من بعد إبراهيم ، فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا وهذه الملل قد جاءت من بعده ؟ لذلك جاء القرآن الكريم قائلا :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 65 )
( سورة آل عمران )
وقد أوضح الحق بعد ذلك دين إبراهيم عليه السّلام :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 )
( سورة آل عمران )
فكيف يمكن أن يختلفوا على إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا ؟ إنه كلام لا يصدر إلا عن قلة فطنة وغفلة بالغة . وعندما يقول الحق عن إبراهيم :
« وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
فهل أهل الكتاب مشركون ؟ نعم ؛ لأنهم حين يؤمنون بالبنوة لعزير ، ويؤمنون بالبنوة لعيسى فهذا إشراك باللّه ، وأيضا كان العرب عبدة الأصنام يقولون : إنهم على ملة إبراهيم ؛ لأن شعائر الحج جاء بها إبراهيم عليه السّلام ، ولهذا ينزه الحق سبحانه سيدنا إبراهيم عن ذلك ، ويقول :
« قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
وذلك يدل على أن ملة إبراهيم وما جاء به