وما دام الأمر في الإسلام هكذا ، والوجود ينسجم مع نفسه ، فلماذا تشذ أنت أيها الإنسان عن الوجود ؟ ولماذا تشّذ عن ملكات نفسك ؟
لماذا لا تكون منسجما مع الكون ؟ إنك إن انسجمت مع نفسك ومع الكون صرت الإنسان السعيد .
وفي عصرنا الحديث نرى ارتقاء العالم ماديا بصورة عالية ، بحيث يقع الحدث في أمريكا مثلا فنراه على شاشة التليفزيون فورا ، ويركب الإنسان مركبا صاروخيا إلى الفضاء ولكن هل استراح العالم ؟ لا ، لقد ازداد العالم عناء ، وكأنه يكد ذهنه ويرهق العلماء في معاملهم لابتكار أشياء تعطى للعالم مزيدا من القلق والاضطراب وتتصادم وتتعارض . وبذلك صار الكون لا يفرغ أبدا من حرب باردة أو ساخنة .
كل ذلك إنما ينشأ من إدارة أمور العالم بأهواء البشر ، فلسنا جميعا مردودين إلى منهج واحد يأمرنا فنأتمر ، وينهانا فننتهى ، بل كل إنسان يتبع في عمله هواه ، لذلك نرى القلق والاضطراب ، ونرى الصرخات تملأ الدنيا من أهوال ومصائب ، منها مثلا المخدرات وغيرها . إن الذي يدمن المخدرات هو إنسان غير راض عن واقع حياته ، فلا يريد مواجهة حياته ، إنما يحاول الهرب منها بالإدمان ، ونقول لمثل هذا الإنسان :
ليس هذا حلا للمشكلة ؛ لأن الإنسان عندما تأتيه مشكلة فهو يحتاج عقلا على عقله ليواجه هذه المشكلة ، وأنت بهذا الإدمان إنما تضيّع عقلك ، رغم أنك مطالب بأن تأتى بعقل آخر بجانب عقلك لتحل مشكلتك ، فالهرب من المشكلة لا يحلها ، إنما الهروب غباء وقلة فطنة فالمشكلة زادت تعقيدا ونقول للمجتمعات التي تشكو من مثل هذه البلايا لو أخذتم شرائعكم من منهج اللّه لكان ذلك حماية لكم من مثل تلك الكوارث .
وهكذا نرى أن كل الابتكارات توجه دائما إلى الشر أولا ، فإذا لم يوجد لها ميدان شر فإننا نوجهها إلى الخير ، ويا ليته خير خالص لوجه اللّه ، لا ، إنه خير مجنح ومنحرف عن الخير لأن الذي لا يملك هذا اللون من الاختراعات كالشعوب النامية والعالم الثالث قد جعله المخترعون بوساطة هذه الاكتشافات والمخترعات مستعبدا ومقهورا لهم ؛ إنهم جعلوا تقدمهم استعبادا وإذلالا لغيرهم وإن تظاهروا بغير ذلك .
لماذا يحدث كل ذلك ؟ لأننا لم نكن منطقيين - كما يجب - مع أنفسنا ولا مع واقع
تفسير الشعراوى — صفحة 1594
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٥٩٤