فأنكروا حقوقهم . والمقصود بالأميين هنا المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب ، أو هم المنسوبون إلى الأم كما قال الحق :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 )
( سورة النحل )
أو أن يكون المقصود « بالأميين » أهل مكة ، فقد كانوا يسمونهم كذلك لأنهم منسوبون إلى أم القرى « مكة المكرمة » .
من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج في معاملة الناس ؟ ومن الذي وضع هذا المنهج الذي يقضى بخديعة المؤمنين الأميين ؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف في المعاملة من إنسان إلى آخر ؟ وهل يقضى الخلق القويم أن يأخذ إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي ؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن كانت ليهودي ؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود ، ويقرض اليهود دون ربا ؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة ، هنا فضيلة ، وهناك لا فضيلة ، لا ، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ولكل إنسان ، ولا ينبغي أن تتنوع .
من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب ؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله اللّه عليهم بل هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه ، فالكتاب السماوي الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين :
صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة ، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى ، وكان عليهم أن يتعلموا من عدالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في معاملتهم .
لقد أرخ لهم رسول اللّه بالنص المنزل عليه من اللّه التأريخ الصادق والعادل ، في هذا القول الكريم الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام .
وهذا التأريخ لم يصدر فيه اللّه حكما واحدا يشملهم جميعا ، بل أنصف أصحاب الحق منهم ، وإن كانوا على دين اليهودية ، وبذلك استقر في أذهان المنصفين منهم أن