أي لقد جادلتم فيما بقي عندكم من التوراة وتريدون أن تأخذوا الجدل على أنه باب مفتوح ، تجادلوا في كل شئ ، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الخالق الرحمن علام الغيوب .
ويوضح الحق هذا الأمر فيقول :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 )
وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السّلام لم يكن يهوديا ، لأن اليهودية جاءت من بعده . ولم يكن إبراهيم نصرانيا ، لأن النصرانية جاءت من بعده ، لكنه وهو خليل الرحمن
« كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
ونحن نفهم أن كلمة « حنيفا » تعنى الدين الصافي القادم من اللّه ، والكلمة مأخوذة من المحسات ، فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل ، أي اعوجاج في الرجلين ، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مستو .
وهنا يتساءل الإنسان ، هل كان إبراهيم عليه السّلام في العوج أو في الاستقامة ؟
وكيف يكون حنيفا ، والحنف عوج ؟ وهنا نقول : إن إبراهيم عليه السّلام كان على الاستقامة ، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجا . وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج ، وما دام منحرفا عن العوج فهو مستقيم ، لماذا ؟ لأن الرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي وتشريعي طاغ . والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية . والخلية الإيمانية تستيقظ مرة ، فتلتزم ، وتغفل مرة ، فتنحرف ، ثم يأتي الاستيقاظ بعد الانحراف ، فيكون الانتباه ، وهكذا توجد النفس اللوامة ، تلك النفس التي تهمس للإنسان عند الفعل الخاطئ : إن اللّه لم يأمر بذلك .