إن زكريا - وهو الطالب - يصيبه التعجب من الاستجابة فيتساءل . كيف يكون ذلك ؟ والحق يورد ذلك ليعلمنا أن النفس البشرية دائما تكون في دائرات التلوين ، وليست في دائرات التمكين ، وذلك ليعطى اللّه لخلقه الذين لا يهتدون إلى الصراط المستقيم الأسوة في أنه إذا ما حدث له ابتلاء فعليه الرجوع إلى اللّه ، فيقول زكريا :
« أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ »
.
إن بلوغ الكبر ليس دليلا على أنه عاجز عن الإنجاب لأنه قد يكون كبير العمر ، وقادرا على إخصاب امرأة ، ذلك أن الإخصاب بالنسبة لبعض الرجال ليس أمرا عسيرا مهما بلغ من العمر إن لم يكن عاقرا ، ولكن المرأة هي العنصر المهم ، فإن كانت عاقرا ، فذلك قمة العجز في الأسباب . ولو أن زكريا قال فقط :
« وَامْرَأَتِي عاقِرٌ »
لكان أمرا غير مستحب بالنسبة لزوجته ، ولكان معنى ذلك أنه نسب لنفسه الصلاحية وهي غير القادرة .
إنه أدب النبوة وهو أدب عال ؛ لذلك أوردها من أولها :
« وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ »
ولنر دقة القول في :
« بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ »
، إنه لم يقل : « بلغت الكبر » بل يقول : إن الكبر هو الذي جاءني ولم أجىء أنا إلى الكبر ؛ لأن بلوغ الشئ يعنى أن هناك إحساسا ورغبة في أن تذهب إليه ، وذكر زكريا
« وَامْرَأَتِي عاقِرٌ »
هو تضخيم لطلاقة القدرة عند من يستمع للقصة ، لقد أورد كل الخوالج البشرية ، وبعد ذلك يأتي القول الفصل :
« قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ »
إنها طلاقة القدرة التي فوق الأسباب لأنها خالقة الأسباب . ويقول زكريا :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 )
إن زكريا يطلب علامة على أن القول قد انتقل إلى فعل .