المتشابه والمجمل :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
يا محمّد ،
الْكِتابَ
القرآن الّذي أراده اللّه هدى للنّاس ، في انفتاح آياته على آفاق المعرفة وحقائق العقيدة ودقائق الأشياء ، وفي تنوّع أساليب دلالاتها على الفكرة من خلال خصائص اللّغة العربيّة ، الّتي تتنوّع دلالات ألفاظها على المعاني ، من حيث الوضوح والخفاء ، تبعا لحاجات التّعبير الّتي تختلف فيها الحقيقة عن المجاز ، وتتنوّع فيها عناوين الاستعارة والكناية في الأساليب البلاغيّة الّتي تمنح الكلام رونقا وحلاوة وحركة فنّيّة ، قد تتعب الفكر في استجلاء المعنى ، ولكنّها تبتعد به عن متاهات الاحتمالات ، لأنّها ترتكز على الحقيقة الواضحة في إرجاعها إلى معانيها الأصيلة في الحقائق القرآنيّة الواضحة .
مِنْهُ
أي من الكتاب ،
آياتٌ مُحْكَماتٌ
واضحات الدّلالة على المعاني ، فلا مجال فيها لأيّ لبس في التّفسير ولأيّ غموض في المعنى ، أو أيّ احتمال بعيد .
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
أي القاعدة الّتي ترجع إليها كلّ الآيات في معناها ، باعتبارها تمثّل الحقيقة الحاسمة الّتي لا ريب فيها ، ولا التباس يمكن لأصحاب القلوب الزّائغة استغلالها لحرف النّاس عن جادّة الحقّ والصّواب . فعند هذه الآيات الأصل تلتقي كلّ حقائق المعرفة ، وإليها ترجع كلّ الاحتمالات .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
لا تملك من الوضوح في الدّلالة على معناها ما تملكه الآيات المحكمات ، فقد يتردّد معناها بين نوعين من المعاني من حيث تبادر المعنى الحقيقيّ من اللّفظ عند إطلاقه ، فيخيّل للسّامع أنّه المراد منه ، ومن حيث وجود بعض القرائن الموحية بالمعنى المجازيّ أو الكنائيّ ، وذلك كما في قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
طه : 5 ، فإنّ كلمة الاستواء على العرش قد توحي بالجلوس عليه والاستقرار فوقه بالمعنى المادّيّ بما يدلّ على التّجسيم للذّات الإلهيّة تماما ، كبقيّة الأجسام الّتي يعرض عليها القيام والقعود .
وقد يكون المراد به الاستواء المعنويّ بمعنى السّيطرة والهيمنة على الملك ، من حيث استعارته كلمة العرش للملك ، وكلمة الاستواء للسّيطرة ، فيدور الأمر بينهما ، فنرجع إلى الآية المحكمة الّتي لا مجال فيها لأيّ تأويل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
الشّورى : 11 ، الّتي تنفي عن اللّه - بكلّ وضوح وصراحة - كلّ مماثل في الذّات ، فتنفي عنه مماثلته للمخلوقات في الجسد ، فيتعيّن المعنى الثّاني الّذي يبدو واضحا محكما بلحاظ هذه الآية .
وهكذا نلتقي بقوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
القيمة : 22 ، 23 ، فإنّها توحي - في البداية - من خلال معنى الإبصار المنفتح على اللّه بشكل حسّيّ تماما ، كما لو كان جسما يرى ، لأنّ معنى اللّفظ - بحسب الوضع - هو ذلك ، ولكنّنا إذا قارنّاه بقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
الأنعام :
103 ، الّتي تدلّ دلالة واضحة على امتناع إدراك الأبصار له ، كانت مفسّرة لتلك الآية ، بأنّ المراد بالنّظر إلى اللّه :
النّظر العقليّ أو الرّوحيّ ، لا الحسّيّ ، أو النّظر إليه من خلال النّظر إلى مواقع عظمته ، فيرتفع اللّبس ، وتتّضح