أنّ المرء إذا تاه في شارع فرعيّ سعى للوصول إلى الشّارع الرّئيسيّ ، ليتبيّن طريقه الصّحيح فيسلكه .
إنّ التّعبير عن المحكمات ب
أُمُّ الْكِتابِ
يؤيّد هذه الحقيقة أيضا ، إذ أنّ لفظة ( امّ ) في اللّغة تعني الأصل والأساس ، وإطلاق الكلمة على الأمّ لأنّها أصل الأسرة والعائلة ، والملجأ الّذي يفزع إليه أبناؤها لحلّ مشاكلهم . وعلى هذا فالمحكمات هي الأساس والجذر ، والأمّ بالنّسبة للآيات الأخرى .
2 - لماذا تشابهت بعض آيات القرآن ؟
إنّ القرآن جاء نورا لهداية عموم النّاس ، فما سبب احتوائه على آيات متشابهات ، فيها إبهام وتعقيد بحيث يستغلّها المفسدون لإثارة الفتنة ؟ هذا موضوع مهمّ جدير بكلّ بحث وتدقيق . وعلى العموم يمكن أن تكون النّقاط التّالية هي السّرّ في وجود المتشابهات في القرآن :
أوّلا : أنّ الألفاظ والكلمات الّتي يستعملها الإنسان للحوار ، إنّما هي لرفع حاجته اليوميّة في التّفاهم ، ولكن ما إن نخرج عن نطاق حياتنا المادّيّة وحدودها ، كأن نتحدّث عن الخالق الّذي لا يحدّه أيّ لون من الحدود ، نجد بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني ، فنضطرّ إلى استخدام ألفاظ أخرى ، وإن تكن قاصرة لا تفي بالغرض تماما من مختلف الجهات . إنّ هذا القصور في الألفاظ هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن . إنّ آيات مثل :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
الفتح : 10 ، أو
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
طه : 5 ، أو
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
القيمة : 23 ، الّتي سوف يأتي تفسيرها في موضعه ، تعتبر من هذه النّماذج . وهناك أيضا تعبيرات مثل سميع وبصير ، ولكن بالرّجوع إلى الآيات المحكمات يمكن تفسيرها بوضوح .
ثانيا : كثير من الحقائق تختصّ بالعالم الآخر ، أو بعالم ما وراء الطّبيعة ، ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا ، وإنّنا بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزّمان والمكان غير قادرين على إدراك كنهها العميق . قصور أفق تفكيرنا من جهة ، وسموّ تلك المعاني من جهة أخرى ، سبب آخر من أسباب التّشابه في بعض الآيات ، كالّتي تتعلّق بيوم القيامة مثلا .
وهذا أشبه بالّذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أمّه مسائل هذا العالم الّذي لم يرده بعد ، فهو إذا لم يقل شيئا ، يكون مقصّرا ، وإذا قال ، كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه .
ثالثا : من أسرار وجود متشابهات في القرآن إثارة الحركة في الأفكار والعقول ، وإيجاد نهضة فكريّة بين النّاس . وهذا أشبه بالمسائل الفكريّة المعقّدة الّتي يعالجها العلماء لتقوية أفكارهم ، ولتعميق دقّتهم في المسائل .
رابعا : النّقطة الأخرى الّتي ترد بشأن الوجود المتشابهات في القرآن ، وتؤيّدها أخبار أهل البيت عليهم السّلام هي أنّ وجود هذه الآيات في القرآن يصعّد حاجة النّاس إلى القادة الإلهيّين والنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأوصياء ، فتكون سببا يدعو النّاس إلى البحث عن هؤلاء ، والاعتراف بقيادتهم عمليّا ، والاستفادة من علومهم الأخرى