حلالا . وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح ، فتشبه عند من لم يمعن النّظر ، أو عند الزّائغ معنى آخر فاسدا ، فربّما أراد الاعتراض به على كتاب اللّه .
هذا عندي معنى الإحكام والتّشابه في هذه الآية ، ألا ترى أنّ نصارى نجران قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أليس في كتابك أنّ عيسى كلمة وروح منه ؟ قال : « نعم » ، قالوا :
فحسبنا إذا . [ ثمّ نقل أقوال ابن عبّاس وابن مسعود وأضاف : ]
وهذا عندي على جهة التّمثيل ، أي يوجد الإحكام في هذا والتّشابه في هذا ، لا أنّه وقف على هذا النّوع من الآيات . وقال بهذا القول قتادة والرّبيع والضّحّاك . [ ثمّ نقل قول مجاهد وعكرمة وأضاف : ]
وهذه الأقوال وما ضارعها يضعّفها أنّ أهل الزّيغ لا تعلّق لهم بنوع ممّا ذكر دون سواه . [ ثمّ نقل قول ابن الزّبير وقال : ]
وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية . ( 1 : 400 )
الطّبرسيّ : قيل في المحكم والمتشابه أقوال :
أحدها : أنّ المحكم : ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ، ولا دلالة تدلّ على المراد به ، لوضوحه ، نحو قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
النّساء : 40 ، ونحو ذلك ممّا لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل . والمتشابه : ما لا يعلم المراد بظاهره حتّى يقترن به ما يدلّ على المراد منه ، لالتباسه نحو قوله :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ،
فإنّه يفارق قوله :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
طه : 85 ، لأنّ إضلال السّامريّ قبيح ، وإضلال اللّه تعالى حسن ، وهذا معنى قول مجاهد : المحكم : ما لم تشتبه معانيه . والمتشابه : ما اشتبهت معانيه .
وإنّما يقع الاشتباه في أمور الدّين كالتّوحيد ونفي التّشبيه والجور . ألا ترى أنّ قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
الأعراف : 54 ، يحتمل في اللّغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره ، وأن يكون بمعنى القهر والاستيلاء . والوجه الأوّل لا يجوز عليه سبحانه . [ ثمّ نقل سائر الأقوال ] ( 1 : 409 )
الفخر الرّازيّ : المسألة الثّانية : اعلم أنّ القرآن دلّ على أنّه بكلّيّته محكم ، ودلّ على أنّه بكلّيّته متشابه ، ودلّ على أنّ بعضه محكم ، وبعضه متشابه .
أمّا ما دلّ على أنّه بكلّيّته محكم ، فهو قوله :
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
يونس : 1 ،
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
هود : 1 ، فذكر في هاتين الآيتين أنّ جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاما حقّا فصيح الألفاظ صحيح المعاني . وكلّ قول وكلام يوجد ، كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللّفظ وقوّة المعنى ، ولا يتمكّن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين . والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الّذي لا يمكن حلّه : محكم ، فهذا معنى وصف جميعه بأنّه محكم .
وأمّا ما دلّ على أنّه بكلّيّته متشابه ، فهو قوله تعالى :
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
الزّمر : 23 ، والمعنى أنّه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدّق بعضه بعضا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ