والدّليل على ذلك هو ما ذكرناه في تفسير هذه الآية ، وهو أنّ أعمال الإنسان تؤثّر في وجوده وفي وجود الكائنات المحيطة به تماما ، مثل الماكنة الّتي تسجّل مقدار حركتها في عدّاد متّصل بها .
وبتعبير أوضح ، لو كانت هناك أجهزة دقيقة جدّا لاستطاعت أن تقرأ في عين الإنسان عدد النّظرات الآثمة الّتي نظرتها ، وتقرأ على الألسنة عدد الأكاذيب والافتراءات والتّهم والطّعون الّتي اقترفتها ، أي أنّ كلّ عضو من أعضاء الجسم فيه - بالإضافة إلى روحه - جهاز حاسب يكشف الحساب في لحظة واحدة .
وإذا جاء في بعض الرّوايات أنّ محاسبة المسؤولين والأغنياء تطول يوم القيامة ، فإنّ هذا لا يعني في الواقع طول زمن الحساب ، بل هو طول زمن المحاسبة عليهم ؛ إذ إنّهم لا بدّ لهم من الإجابة على الأسئلة الكثيرة الّتي تلقى عليهم بشأن الأعمال الّتي ارتكبوها ، أي أنّ ثقل مسؤوليّاتهم ولزوم إجابتهم على الأسئلة لإتمام الحجّة عليهم ، هي الّتي تطيل زمن محاكمتهم .
يؤلّف مجموع هذه الآيات درسا تربويّا كاملا لعباد اللّه ، في إحاطة علمه تعالى بأصغر ذرّات هذا العالم وبأكبرها وقدرته وقهره لعباده ، ومعرفته بجميع أعمال البشر ، وقيام كتبة أمناء بحفظ أعمال النّاس وقبض أرواحهم في لحظات معيّنة بالنّسبة لكلّ منهم ، وبعثهم يوم القيامة ، ومن ثمّ محاسبتهم محاسبة دقيقة وسريعة .
أهناك من يؤمن بمجموع هذه المسائل ، ثمّ لا يراقب أعماله ، ويظلم دون وازع ، ويكذب ، ويفتري ، ويعتدي على الآخرين ؟
هل يجتمع كلّ هذا مع الإيمان والاعتقاد على صعيد واحد ؟ ( 4 : 298 )
سريع الحساب
1 -
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ .
البقرة : 202
الإمام عليّ عليه السّلام : معناه أنّه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة . ( الطّوسيّ 2 : 174 )
سئل كيف يحاسب اللّه سبحانه الخلق ولا يرونه ؟
قال : كما يرزقهم اللّه ولا يرونه . ( الكاشانيّ 1 : 218 )
الحسن : أسرع من لمح البصر . ( الثّعلبيّ 2 : 117 )
الإمام العسكريّ عليه السّلام : لأنّه لا يشغله شأن عن شأن ، ولا محاسبة أحد من محاسبة آخر ، فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكلّ ، يتمّ حساب الكلّ بتمام حساب واحد ، وهو كقوله :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
لقمان : 28 ، لا يشغله خلق واحد عن خلق آخر ، ولا بعث واحد عن بعث آخر .
( 606 )
الطّبريّ : إنّه محيط بعمل الفريقين كليهما ، اللّذين من مسألة أحدهما :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
ومن مسألة الآخر :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
فمحص له بأسرع الحساب ، ثمّ إنّه مجاز كلا الفريقين على عمله .
وإنّما وصف جلّ ثناؤه نفسه بسرعة الحساب ، لأنّه جلّ ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع ، ولا فكر ، ولا رويّة فعل العجزة الضّعفة من