يخفي شيئا منها حسب أهوائهم ، كما قال :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً . . .
الأنعام : 91 ، و
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . . .
المائدة : 15 .
3 - جاء في ( 1 و 2 )
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ، *
وفي ( 3 )
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ،
وكلّ من صرف التّحريف إلى تأويل اللّفظ قال : مواضعه هي معانيه الّتي وضعت لها ، فكانوا يحولّون اللّفظ بالتّأويل إلى غير معناه . وهذا محتمل وليس متعيّنا .
وقد فرّق الزّمخشريّ بينهما بأنّ
عَنْ مَواضِعِهِ *
بإبدال غيره مكانه ، و
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
بأنّه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها ، فحين حرّفوه تركوه كالغريب الّذي لا موضع له ، أي حرّفوه عن موضعه إلى موضع آخر .
وفرّق الفخر الرّازيّ بينهما بأنّ
عَنْ مَواضِعِهِ *
أي إنّهم يأوّلونها إلى تأويلات فاسدة دون أن يخرجوا تلك اللّفظة من الكتاب . وأمّا
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
فإنّهم - إضافة إلى التّأويلات الفاسدة لها - يخرجونها من الكتاب .
وفرّق بينهما أبو حيّان بأنّهما سياقان ، فإنّهم إذا وصفوا بشدّة التّمرّد والطّغيان وإظهار العداوة . . . جاء
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ، *
كما قال :
وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا ،
ر
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ،
فكأنّهم لم بتركوا الكلم عن التّحريف بعد استقرارها ، بل بادروا إلى تحريفها بأوّل وهلة .
وإذا وصفوا ببعض لين وترديد وتحكيم للرّسول في بعض الأمر جاء
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ،
كما قال :
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ،
و
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
فكأنّهم لم يبادروا بالتّحريف ، بل عرض لهم التّحريف بعد استقرار الكلم في مواضعها . . .
وقد يقال : إنّهما سيّان ، لكنّه حذف في بعضها شيء ذكر في بعضها مع تفاوت بين المحذوف والمذكور ، وهو الأقرب عندنا ، واختاره « الشّربينيّ » .
4 - وقد نبّه رشيد رضا - استلهاما من شيخه الإمام عبده - على ما اعترف به بعض المتأخّرين من أهل الكتاب على تحريف التّوراة ، وفقدان بعضها ، وما فيها من الخلط والتّكرار ، فلاحظ .
5 : نبّه فضل اللّه على أنّ اللّه حدّثنا في هذه الآيات على أنّ اليهود لا يواجهون القضايا من موقع مداليلها الحقيقيّة بصراحة ، ولا يستقيمون في تعاملهم مع المبادئ والأشخاص والكلمات ، بل يعملون على تحريف الأمور - إلى أن قال - وهذا أسلوب قرآنيّ يريد اللّه من خلاله أن يوحي للمؤمنين بأن يدرسوا طبيعة الأشخاص ، من مواقع تاريخهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم ومواقفهم ، قبل الاستماع إليهم ، ليعرفوا من ذلك الأساليب الّتي يتّبعونها في الدّعوة . . .
المحور الثّاني : التّحرّف عن القتال في ( 5 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً