اللّه عنه إلى عامله بالبصرة : « أنّ حارثة بن بدر حارب اللّه ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه فلا تعرضنّ له إلّا بخير » . فأطلق عليه اسم المحارب للّه ورسوله ولم يرتدّ وإنّما قطع الطّريق .
فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أنّ هذا الاسم يلحق قطّاع الطّريق وإن لم يكونوا كفّارا ولا مشركين ، مع أنّه لا خلاف بين السّلف والخلف من فقهاء الأمصار أنّ هذا الحكم غير مخصوص بأهل الرّدّة ، وأنّه فيمن قطع الطّريق وإن كان من أهل الملّة .
وحكي عن بعض المتأخّرين ممّن لا يعتدّ به : أنّ ذلك مخصوص بالمرتدّين . وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السّلف والخلف ، ويدلّ على أنّ المراد به قطّاع الطّريق من أهل الملّة قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
المائدة : 34 ، ومعلوم أنّ المرتدّين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتّوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة ، وقد فرّق اللّه بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها .
وأيضا فإنّ الإسلام لا يسقط الحدّ عمّن وجب عليه ؛ فعلمنا أنّ المراد : قطّاع الطّريق من أهل الملّة ، وأنّ توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحدّ عنهم .
وأيضا فإنّ المرتدّ يستحقّ القتل بنفس الرّدّة دون المحاربة ، والمذكور في الآية من استحقّ القتل بالمحاربة ، فعلمنا أنّه لم يرد المرتدّ .
وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتدّ لا ينفى ؛ فعلمنا أنّ حكم الآية جار في أهل الملّة .
وأيضا فإنّه لا خلاف إنّ أحدا لا يستحقّ قطع اليد والرّجل بالكفر ، وأنّ الأسير من أهل الرّدّة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام ، فإن أسلم ، وإلّا قتل ولا تقطع يده ولا رجله .
وأيضا فإنّ الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب معه شيئا آخر ، ومعلوم أنّ المرتدّ لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلّى سبيله ، بل يقتل إن لم يسلم ، واللّه تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرّجل دون غيره .
وأيضا ليس من حكم المرتدّين الصّلب ، فعلمنا أنّ الآية في غير أهل الرّدّة ، ويدلّ عليه أيضا قوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
الأنفال : 38 ، وقال في المحاربين :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
المائدة :
34 ، فشرط في زوال الحدّ عن المحاربين وجود التّوبة منهم قبل القدرة عليهم ، وأسقط عقوبة الكفر بالتّوبة قبل القدرة وبعدها ، فلما علم أنّه لم يرد بالمحاربين : أهل الرّدّة .
فهذه الوجوه الّتي ذكرناها كلّها دالّة على بطلان قول من ادّعى خصوص الآية في المرتدّين .
فإن قال قائل : قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال : قدم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أناس من عرينة ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم من ألبانها وأبوالها ، ففعلوا ، فلمّا صحوا قاموا إلى راعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقتلوه ورجعوا كفّارا ، واستاقوا ذود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .