حذرك أي احذر . وقيل : خذوا السّلاح حذرا ، لأنّ به الحذر ، والحذر لا يدفع القدر .
وهي : خلافا للقدريّة في قولهم : إنّ الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء ، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى .
فيقال لهم : ليس في الآية دليل على أنّ الحذر ينفع من القدر شيئا ، ولكنّا تعبّدنا بألّا نلقي بأيدينا إلى التّهلكة ، ومنه الحديث « اعقلها وتوكّل » . وإن كان القدر جاريا على ما قضى ، ويفعل اللّه ما يشاء ؛ فالمراد منه طمأنينة النّفس ، لا أنّ ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر . والدّليل على ذلك أنّ اللّه تعالى أثنى على أصحاب نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
التّوبة : 51 ، فلو كان يصيبهم غير ما قضي عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى . ( 5 : 273 )
البيضاويّ : [ نحو الزّمخشريّ ملخّصا وأضاف : ]
وقيل : ما يحذر به كالحزم والسّلاح . ( 1 : 229 )
أبو حيّان : والحذر والحذر بمعنى واحد . قالوا : ولم يسمع في هذا التّركيب إلّا خذ حذرك ، لا خذ حذرك .
ومعنى خذ حذرك ، أي استعدّ بأنواع ما يستعدّ به للقاء من تلقاه ، فيدخل فيه أخذ السّلاح وغيره . ويقال : أخذ حذره إذا احترز من المخوف ، كأنّه جعل الحذر آلته الّتي يتّقي بها ويعتصم ، والمعنى احترزوا من العدوّ . ( 3 : 290 )
نحوه أبو السّعود . ( 2 : 162 )
ابن كثير : يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوّهم ، وهذا يستلزم التّأهّب لهم بإعداد الإسلحة والعدد . ( 2 : 337 )
الآلوسيّ : أي عدّتكم من السّلاح ، قاله مقاتل ، وهو المرويّ عن أبي جعفر رضي اللّه تعالى عنه .
وقيل : الحذر مصدر كالحذر ، وهو الاحتراز عمّا يخاف ، فهناك الكناية والتّخييل بتشبيه الحذر بالسّلاح وآلة الوقاية ، وليس الأخذ مجازا ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله سبحانه :
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
إذ التّجوّز في الإيقاع . وقد صرّح المحقّقون بجواز الجمع فيه ، والمعنى استعدّوا لأعدائكم ، أو تيقّظوا واحترزوا منهم ، ولا تمكّنوهم من أنفسكم . ( 5 : 79 )
محمّد عبده : الحذر والحذر الاحتراس والاستعداد لاتّقاء شرّ العدوّ ؛ وذلك بأن نعرف حال العدوّ ومبلغ استعداده وقوّته . وإذا كان الأعداء متعدّدين فلا بدّ في أخذ الحذر من معرفة ما بينهم من الوفاق والخلاف ، وأن تعرف الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا ، وأن يعمل بتلك الوسائل .
فهذه ثلاثة لا بدّ منها ؛ وذلك أنّ العدوّ إذا أنس غرّة منّا هاجمنا ، وإذا لم يهاجمنا بالفعل كنّا دائما مهدّدين منه ، فإن لم نهدّد في نفس ديارنا كنّا مهدّدين في أطرافها . فإذا أقمنا ديننا أو دعونا إليه عند حدود العدوّ ، فإنّه لا بدّ أن يعارضنا في ذلك ، وإذا احتجنا إلى السّفر إلى أرضه كنّا على خطر . وكلّ هذا يدخل في قوله :
خُذُوا حِذْرَكُمْ
كما قال في آية أخرى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
الأنفال : 60 ، إلخ ، وعلى النّفوس المستعدّة للفهم أن تبحث في كلّ ما يتوقّف عليه امتثال الأمر من علم وعمل .
ويدخل في ذلك معرفة حال العدوّ ومعرفة أرضه