إلى اللّه وبذلك شابه اللّه في صفاته ، ومن اتّصف ببعضها فقربه إلى اللّه بحسبه . وكذلك الأمر في الاتّصاف بالشّرور والبعد عن اللّه تعالى بحسبها .
6 - وقد جاءت فيمن يحبّه اللّه ثمانية أصناف ، أوّلهم المتّقون وآخرهم المقاتلون في سبيل اللّه ، والتّقوى بعد الإيمان رأس تلك الخصال وجماعها ، وإنّ اللّه مع المتّقين
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
النّحل :
128 .
والتّقوى معيار كرامة المحسنين عند اللّه
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
الحجرات : 13 ، والتّقوى خير الزّاد
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
البقرة : 197 ،
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
المائدة : 27 ، فلاحظ « وق ي : التّقوى »
وأمّا المقاتلون في سبيل اللّه فهم بتضحيتهم أنفسهم حتّى استشهدوا يرزقون عند اللّه تعالى ، وهذه منزلة عظيمة
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
آل عمران : 169 .
7 - وجاءت فيمن لا يحبّه اللّه 13 صنفا من الأشرار ، وهم - مع الأسف - يزيدون على من يحبّهم بنسبة 13 / 8 ودعامة تلك الخصال الكفر باللّه تعالى ، كما أنّ دعامة خصال الخير الإيمان به ، وقد جمعها الشّيخ الكلينيّ ( م 329 ) في كتاب « الكافي » في قسم الأصول ، بعنوان « كتاب الإيمان والكفر » وذكر فيه الأحاديث الأخلاقيّة ، رمزا إلى أنّهما مصدر الخصال والأخلاق الحسنة والسّيّئة ، وأنّ الإيمان مبدأ مكارم الأخلاق ، والكفر مبدأ مساوي الأخلاق ورذائلها .
ثانيا : جاء تبادل الحبّ بين اللّه وبين عباده في آيتين ( 40 و 41 ) ، وهو منتهى درجات الحبّ وذروتها ، وفيهما بحوث :
1 - جاء الحبّان فيهما متعاكسين ، فقد بدأ الحبّ في ( 40 ) من ناحية العباد ، وانتهى إلى اللّه :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وبدأ حبّ اللّه لهم على حبّهم إيّاه في ( 41 )
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .
وهذا الفرق إن دلّ على شيء يدلّ على الملازمة بين الحبّين جدّا من غير لحاظ البدء والختام ، وكأنّ كلّا منهما سبب للآخر مقدّم عليه ، وفي نفس الوقت مسبّب عنه ومتفرّع عليه ومتأخّر عنه ، وإن كان الفضل كلّه للّه . قال الفخر الرّازيّ : « . . ولولا أنّ اللّه أحبّهم وإلّا لما وفّقهم حتّى صاروا محبّين له . . . » .
وللعلّامة الطّباطبائيّ في الآية ( 41 ) بحث طريف وطويل في تبادل هذين الحبّين « . . ثمّ الحبّ الّذي هو بحسب الحقيقة الوسيلة الوحيدة لارتباط كلّ طالب بمطلوبه ، وكلّ مريد بمراده ، إنّما يجذب المحبّ إلى محبوبه ليجده ، ويتمّ بالمحبوب ما للمحبّ من النّقص ، ولا بشرى للمحبّ أعظم من أن يبشّر أنّ محبوبه يحبّه ، وعند ذلك يتلاقى حبّان ، ويتعاكس دلالان . . . فالعبد المخلص للّه بالحبّ لا بغية له إلّا أن يحبّه اللّه سبحانه كما أنّه يحبّ اللّه ، ويكون اللّه له كما يكون هو للّه عزّ اسمه ، فهذا هو حقيقة الأمر ، غير أنّ اللّه سبحانه لا يعدّ في كلامه كلّ حبّ له حبّا . . . فإنّ حبّ الشّيء يقتضي حبّ جميع ما يتعلّق به ، ويوجب الخضوع والتّسليم لكلّ ما هو في جانبه . . . فمن