كلامهم ، لكونهم في أزياء حسنة وبلاغة من الكلام ، وليس خطابا خاصّا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد أنّهم على صباحة من المنظر وتناسب من الأعضاء ، إذا رآهم الرّائي أعجبته أجسامهم ، وفصاحة وبلاغة من القول إذا سمع السّامع كلامهم مال إلى الإصغاء إلى قولهم ، لحلاوة ظاهره وحسن نظمه . ( 19 : 280 )
عبد الكريم الخطيب : هذه صورة للمنافق تمثّل ظاهره ، وباطنه جميعا . فالمنافق متجمّل في ظاهره ، مجتهد في تزويق هذا الظّاهر ، وفي طلائه بالألوان الزّاهية ، حتّى يخدع النّاس عن باطنه الّذي يعلم هو فساده أكثر ممّا يعلم النّاس منه . ولهذا فهو يبالغ في تسوية مظهره ، وفي تجميله حتّى يستر بهذا الزّيف ما يخفي باطنه ، وحتّى يغطّي بهذا البخور الّذي يطلقه على هذا العفن الّذي يفوح منه .
فقوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ
بيان لما تقع عليه العين من ظاهر المنافقين ، فيما يبدو من تسوية هندامهم ، وحسن زيّهم . ( 14 : 959 )
المصطفويّ : أي ظواهر أبدانهم وبسطتها ، ثمّ رأيتهم ضعفاء العقول والبصائر ، متزلزلين متردّدين .
فظهر لطف التّعبير هنا بالأجسام لا بالأجساد .
( 2 : 91 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة الجسم ، أي بدن الإنسان والحيوان والأشياء ، والجمع : أجسام وجسوم ، يقال :
جسم الرّجل وغيره يجسم جسامة ، فهو جسيم وهم جسام وهي جسيمة . وجسم الشّيء : عظم ، فهو جسيم وجسام .
والجسمان : الجسم ، يقال : إنّه لنحيف الجسمان ، ورجل جسمانيّ وجثمانيّ : ضخم الجثّة .
والجسيم : ما ارتفع من الأرض وعلاه الماء .
والجسم : ما ارتفع من الأرض وعلاه الماء .
والجسم : الأمور العظام ، والرّجال العقلاء .
2 - وقيل أيضا : تجسّمت الأرض ، أي أخذت نحوها أريدها وأقصدها ، وتجسّمت الرّمل والجبل : ركبت أعظمه ، وتجسّمت فلانا من بين القوم : اخترته . وكلّ ذلك من « تجشّمت » بالشّين ، لاحظ « ج ش م » .
ولعلّ « ثاء » الجثمان بدل من « السّين » ؛ إذ هذا الضّرب من الإبدال شائع ، يقال : ساخت رجله في الأرض وثاخت ، أي دخلت فيها ، والوطس والوطث :
الضّرب الشّديد بالخفّ .
3 - وشاع في هذا العصر نوع من الرّياضة البدنيّة ، تسمّى « الكمال الجسمانيّ » يهتمّ من يمارسها باندماج أعضائه وتنمية عضلاته ، حتّى يصبح عضلا أفتل . ويعدّ الفلاسفة هذا الكمال كمالا في الصّفات المادّيّة ، وهو أدنى مرتبة عندهم من الكمال الذّاتيّ النّفسانيّ . والقرآن اعتبرهما معا في قوله :
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
البقرة : 247 ، كما يأتي .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظان : مفردا مدحا ، وجمعا ذمّا ، في آيتين مدنيّتين .
1 -
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ