وقد علمت أنّ الجمهور على أنّ الاستثناء منقطع ، أي إنّ المقام مقام الاستدراك لا الاستثناء ، والمعنى :
لا تكونوا من ذوي الطّمع الّذين يأكلون أموال النّاس بغير مقابل لها من عين أو منفعة ، ولكن كلوها بالتّجارة الّتي قوام الحلّ فيها التّراضي ، فذلك هو اللّائق بأهل الدّين والمروءة ، إذا أرادوا أن يكونوا من أهل الدّثور والثّروة .
وقال البقاعيّ : إنّ الاستدراك لا يجيء في النّظم البليغ بصورة الاستثناء ، أي الّذي يسمّونه الاستثناء المنقطع إلّا لنكتة . وقال : إنّ النّكتة هنا هي الإشارة إلى أنّ جميع ما في الدّنيا من التّجارة وما في معناها من قبيل الباطل ، لأنّه لا ثبات له ولا بقاء ، فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدّار الآخرة الّتي هي خير وأبقى .
وفي الآية من الفوائد أنّ مدار حلّ التّجارة عن تراضي المتبايعين ، والغشّ والكذب من المحرّمات المعلومة من الدّين بالضّرورّه ، وكلّ ما يشترط في البيع عند الفقهاء فهو لأجل تحقيق التّراضي من غير غشّ ، وما عدا ذلك فلا علاقة له بالدّين . [ ثمّ حكى عن البقاعيّ كلاما في أنّ النّهي عن إتلاف النّفس كالنّهي عن إتلاف المال ، فلاحظ ] . ( 5 : 42 )
المراغيّ : أي لا تكونوا من ذوي الأطماع الّذين يأكلون أموال النّاس بغير مقابل لها من عين أو منفعة ، ولكن كلوها بالتّجارة الّتي قوام الحلّ فيها التّراضي ؛ وذلك هو اللّائق بأهل المروءة والدّين ، إذا أرادوا أن يكونوا من أرباب الثّراء .
وفي الآية إيماء إلى وجوه شتّى من الفوائد :
1 - أنّ مدار حلّ التّجارة على تراضي المتبايعين ، فالغشّ والكذب والتّدليس فيها من المحرّمات .
2 - أنّ جميع ما في الدّنيا من التّجارة وما في معناها من قبيل الباطل الّذي لا بقاء له ولا ثبات ، فلا ينبغي أن يشغل العاقل عن الاستعداد للآخرة الّتي هي خير وأبقى .
3 - الإشارة إلى أنّ معظم أنواع التّجارة يدخل فيها الأكل بالباطل ، فإنّ تحديد قيمة الشّيء ، وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلا ، ومن ثمّ يجري التّسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر . [ ثمّ ذكر بقيّة الكلام نحو محمّد عبده ] ( 5 : 17 )
سيّد قطب : وهو استثناء منقطع ، تأويله : ولكن إذا كانت تجارة عن تراض منكم فليست داخلة في النّصّ السّابق . ولكن مجيئها هكذا في السّياق القرآني ، يوحي بنوع من الملابسة بينها وبين صور التّعامل الأخرى ، الّتي توصف بأنّها أكل لأموال النّاس بالباطل ، وندرك هذه الملابسة إذا استصحبنا ما ورد في آيات النّهي عن الرّبا - في سورة البقرة - من قول المرابين في وجه تحريم الرّبا :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
البقرة : 275 . وردّ اللّه عليهم في الآية نفسها :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
البقرة :
275 ، فقد كان المرابون يغالطون ، وهم يدافعون عن نظامهم الاقتصاديّ الملعون ، فيقولون : إنّ البيع - وهو التّجارة - تنشأ عنها زيادة في الأموال وربح ، فهو - من ثمّ - مثل الرّبا ، فلا معنى لإحلال البيع وتحريم الرّبا .
والفرق بعيد بين طبيعة العمليّات التّجاريّة والعمليّات الرّبويّة أوّلا ، وبين الخدمات الّتي تؤدّيها التّجارة للصّناعة وللجماهير ، والبلاء الّذي يصبه الرّبا