ثمّ تذكر الآية الإنفاق بعد الإيمان وتقول :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ
البقرة : 177 .
إنفاق المال ليس بالعمل اليسير على الجميع خاصّة إذا بلغ الإنفاق درجة الإيثار ، لأنّ حبّ المال موجود بدرجات متفاوتة في كلّ القلوب ، وعبارة ( على حبّه ) إشارة إلى هذه الحقيقة . هؤلاء يندفعون للإنفاق رغم هذا الحبّ للمال ، من أجل رضا اللّه سبحانه . [ ثمّ ذكر بقيّة صفات الأبرار فراجع ] ( 1 : 434 )
3 -
. . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى . . .
البقرة : 189
ابن عبّاس :
وَلَيْسَ الْبِرُّ
الطّاعة والتّقوى
وَلكِنَّ الْبِرَّ
الطّاعة في الإحرام . ( 26 )
وإنّ رجالا من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدهم من عدوّه شيئا أحرم فأمن ، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته ، واتّخذ نقبا من ظهر بيته ، فلمّا قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ، كان بها رجل محرم كذلك ، وإنّ أهل المدينة كانوا يسمّون البستان : الحشّ ، وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل بستانا ، فدخله من بابه ، ودخل معه ذلك المحرم فناداه رجل من ورائه : يا فلان إنّك محرم وقد دخلت ، فقال : أنا أحمس ، فقال : يا رسول اللّه إن كنت محرما فأنا محرم ، وإن كنت أحمس فأنا أحمس ، فأنزل اللّه تعالى ذكره :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
البقرة : 189 ، فأحلّ اللّه للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها .
نحوه براء وقيس بن جبير والزّهريّ والسّدّيّ والرّبيع . ( الطّبريّ 2 : 188 ) .
مجاهد : يقول : ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من كوّات في ظهور البيوت ، وأبواب في جنوبها تجعلها أهل الجاهليّة ، فنهوا أن يدخلوا منها وأمروا أن يدخلوا من أبوابها .
نحوه النّخعيّ . ( الطّبريّ 2 : 187 )
الإمام الباقر عليه السّلام : أنّ معناه ليس البرّ أن تأتوا الأمور من غير جهاتها ، وينبغي أن تأتوا الأمور من جهاتها ، أيّ الأمور كان . ( العروسيّ 1 : 178 )
عطاء : كان أهل الجاهليّة يأتون البيوت من ظهورها ويرونه برّا ، فقال : ( البرّ ) ثمّ نعت ( البرّ ) وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها . ( الطّبريّ 2 : 188 )
قتادة : كان هذا الحيّ من الأنصار في الجاهليّة إذا أهلّ أحدهم بحجّ أو عمرة لا يدخل دارا من بابها إلّا أن يتسوّر حائطا تسوّرا ، وأسلموا وهم كذلك ، فأنزل اللّه تعالى ذكره في ذلك ما تسمعون ، ونهاهم عن صنيعهم ذلك ، وأخبرهم أنّه ليس من البرّ صنيعهم ذلك ، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها . ( الطّبريّ 2 : 187 )
الطّبريّ : فتأويل الآية إذا : وليس البرّ أيّها النّاس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها ، ولكنّ البرّ من اتّقى اللّه فخافه وتجنّب محارمه ، وأطاعه بأداء فرائضه الّتي أمره بها . فأمّا إتيان البيوت من ظهورها فلا برّ للّه فيه ، فأتوها من حيث شئتم من أبوابها وغير أبوابها ، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال ، فإنّ ذلك غير جائز لكم اعتقاده ، لأنّه ممّا