فساد الكون كله علوية « 1 » وسفليه ، وذلك لأنهم أهل باطل لا يرون إلا الباطل ويصبح سيرهم معاكسا للحق فيؤدي حتما إلى خراب الكون وقوله تعالى :
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ
أي جئناهم بذكرهم الذي هو القرآن الكريم إذ به يذكرون وبه يذكرون لأنه سبب شرفهم ، وقوله :
فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
، فهم لسوء حالهم وفساد قلوبهم معرضون عما به يذكرون ويذكرون « 2 » ،
وقوله تعالى :
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً
أي « 3 » أجرا ومالا
فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ
أي ثواب ربّك الذي يثيبك به خير وهو تعالى خير الرازقين وحاشا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسألهم عن التبليغ أجرا
وقوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي إلى الإسلام طريق السعادة والكمال في الدنيا والآخرة ،
وقوله تعالى :
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ
« 4 »
لَناكِبُونَ
أي علة تنكّبهم أي ابتعادهم عن الإسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة ، وهو كذلك فالقلب الذي لا يعمره الإيمان بلقاء اللّه والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه ذلك لعلة كفره بالآخرة .
وقوله تعالى :
وَلَوْ
« 5 »
رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
يخبر تعالى أنه لو رحم أولئك المشركين المكذبين بالآخرة ، وكشف ما بهم من ضر أصابهم من قحط وجدب وجوع ومرض لا يشكرون اللّه ، بل يتمادون في عتوهم وضلالهم وظلمهم يعمهون حيارى يترددون ،
وقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ
« 6 »
بِالْعَذابِ
وهي سنوات الجدب والقحط بدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما أصابهم من قتل وجراحات وهزائم في بدر . وقوله :
فَمَا اسْتَكانُوا
« 7 »
لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
فما ذلوا لربهم وما دعوه ولا تضرعوا إليه بل بقوا على طغيانهم في ضلالهم ومرد هذا ظلمة النفوس الناتجة عن الشرك والمعاصي .
وقوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
وهو معركة بدر وما أصاب
هامش
( 1 ) وما في الكون العلوي من الملائكة ، والسفلي من الجن والإنس ، وإلى هذا الإشارة بمن في قوله :وَمَنْ فِيهِنَّ.
( 2 ) الأولى يذكرون بفتح الياء ، مبني للفاعل ، والثانية يذكرون بضم الياء مبنيّ للمفعول .
( 3 ) قرئ خراجا أيضا والمعنى واحد ، والمعنى : أتسألهم رزقا فرزق ربك خير ، وقيل : الخرج : الجعل والخراج : العطاء ، والخرج : المصدر ، والخراج : الاسم .
( 4 ) الصراط في اللغة : الطريق ، وسمي الدين طريقا لأنه طريق إلى الجنة والناكب : العادل عن الشيء المعرض عنه ، وهو مشتق من المنكب وهو جانب الكتف .
( 5 )وَلَوْ رَحِمْناهُمْمعطوف على جملة :حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِوما بينهما : اعتراض باستدلال عليهم وتنديم لهم وقطع لمعاذيرهم أي : أنهم ليسوا بحيث لو استجاب اللّه جؤارهم ( دعاءهم ) عند نزول العذاب بهم وكشفه عنهم لعادوا إلى ما كانوا فيه من الغمرة والشرك والأعمال السيئة . وهذا كقوله :إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ.
( 6 ) هذا استدلال على مضمون ما في قوله :وَلَوْ رَحِمْناهُمْالخ ، و ( ال ) في العذاب للعهد أي : بالعذاب المذكور آنفا في قوله :حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ( 7 ) الاستكانة : مصدر بمعنى الخضوع ، مشتقة من السكون ، لأنّ الذي يخضع يقطع الحركة أمام من يخضع له .