تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 825

مساهمون:

ص٨٢٥
فلم يبق إلا أن يجمع بين هذه وبين قوله تعالى :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
. وذلك أن الرواية على كل حال حديث آحاد لا تناهض القرآن ، ولا تقوى على نسخه ، فلو حملنا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » على نفي الصحة لزم أن يكون قاضيا على الكتاب ، ناسخا لحكمه ، لأنّ مقتضى الكتاب صحة الصلاة بكل قراءة ، ولو بغير فاتحة الكتاب ، ومقتضى الحديث على ذلك المحمل عدم صحتها ، إلا أن يقرأ فيها بالفاتحة ، وإذا كان الشافعي رحمه اللّه لا يرى نسخ الكتاب حتى بالحديث المتواتر ، كما نصّ على ذلك في « الرسالة » فيلزم ألا يجيز نسخه برواية الآحاد من باب أولى . وإذا كانت العبرة في الأمور بمعانيها وحقائقها ، لا بأسمائها وألقابها فتغيير حكم الآية بذلك الحديث - على النحو الذي يقول به الشافعية ومن وافقهم - تغيير لا يختلف في شيء عن تغيير النسخ وسمّه بعد ذلك بما شئت . وعلى هذا ينبغي أن يحمل الحديث على نفي الكمال ، بدليل نصّ الكتاب ، وما جاء في حديث المسئ صلاته ، ويكون قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » نظير قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » و قوله : « لا صلاة للعبد الآبق » فإنّ القرينة الدالة على أنّ المراد نفي الكمال متحققة في الجميع ، وعلى هذا يتم العمل بالقرآن والحديث ، إذ يكون الأول مفيدا أنّ مطلق القراءة فرض في الصلاة . والثاني يفيد أنّ قراءة الفاتحة من الواجبات التي هي دون الفرائض . وبعد فالعلماء مختلفون أيضا في محلّ القراءة المفروضة : فالحنفية « 1 » القائلون بأن الفرض مطلق القراءة يقولون : إنها فرض في ركعتين من الصلوات الرباعية . أمّا القائلون بأنّ الفرض خصوص الفاتحة ، فمنهم من يقول بفرضيتها في كل ركعة من الصلاة كما هو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك . ومنهم من يقول بفرضيتها في ركعتين كما هي الرواية الأخرى . ولا نرى أن نعرض هنا لهذه التفاصيل ، ومآخذ الأئمة فيها ، فإنّ مرجع ذلك كله الحديث وكتب الفروع .
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
. الضرب في الأرض : السير فيها ، والسفر للتجارة والتعيش .
هامش
( 1 ) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ( 1 - 2 / 58 ) .