وأنت ترى أنّ مآل المعنيين الأولين للاستئناس هو الاستئذان ، فيكون القادم منهيا عن الدخول قبل أن يأتي بعبارة صريحة تدلّ على الاستئذان ، وحينئذ لا يباح له الدخول إلا أن يؤذن له ، إذ لا معنى للاستئذان دون أن ينتظر الإذن ، فيكون تأويل الآية هكذا : لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ويؤذن لكم ، ويدل على هذا المضمر قوله تعالى بعد :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
.
أما على المعنيين الآخرين فظاهر الآية أنّه لا يتوقف دخول القادم على أن يأذن له بذلك أهل البيت ما دام قد أعلمهم وأزال وحشتهم . وبهذا قال مجاهد وعكرمة ، ولعلّك ترى أنّ هذا الرأي ضعيف ، فإنّ إعلامهم ودفع الوحشة عنهم لا ينبغي أن يكون كافيا في إباحة الدخول ، إذ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان هي أنّ اقتحام البيوت بغير إذن قد يؤدي إلى أن يقع نظر الداخل على ما لا يحل النظر إليه ، أو يطلع على ما يكره أهل الدار اطلاعه عليه .
وظاهر الآية الكريمة أنّه لا بدّ قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا ، وعليه جمهور الفقهاء ، فكلّ من الاستئذان والسلام مطلوب غير أنّ الطلب فيهما متفاوت ، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب ، والطلب في السلام على سبيل الندب ، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن .
وظاهرها أيضا تقديم الاستئذان على السلام ، لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي ، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء . وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان ، وحجتهم في ذلك عموم
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه الترمذي عن جابر رضي اللّه تعالى عنه : « السلام قبل الكلام » « 1 » .
وما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في « الأدب » « 2 » عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلّم ، قال : لا يؤذن له حتّى يسلم .
وما أخرجه ابن أبي شيبة وابن وهب عن زيد بن أسلم قال : أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي اللّه عنهما فجئته فقلت أألج ؟ فقال : ادخل ، فلما دخلت قال : مرحبا يا ابن أخي ، لا تقل أألج ، ولكن قل : السلام عليكم . فإذا قيل : وعليك ، فقل : أأدخل ؟ فإذا قالوا : ادخل ، فادخل « 3 » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 56 ) ، كتاب الاستئذان ، باب ما جاء في السلام حديث رقم ( 2699 ) .
( 2 ) الأدب المفرد للإمام البخاري صفحة ( 287 ) ، 494 - باب الاستئذان غير السلام حديث رقم ( 1098 ) .
( 3 ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 8 / 464 ) ، والسيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ( 5 / 39 ) .