تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
ففيه دلالة على أنّ كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب عن الزوجة .
وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين وأهل الظاهر : لا تقع الفرقة إلا بلعانهما جميعا ، فإن تمّ لعانهما حصلت الفرقة ، ولا يعتبر تفريق الحاكم . واحتجوا بأنّ الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين ، ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده ، وأيضا لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لا عنت المرأة وهي أجنبية ، ولكنّه تعالى أوجب اللعان بين الزوجين .
وقال أبو حنيفة وأحمد في روايته الأخرى : إنّ الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما ، وتفريق الحاكم بينهما ، والحجة في ذلك قول ابن عباس في حديثه ، ففرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينهما ، وهذا يقتضي أنّ الفرقة لم تحصل قبله ، وقول عويمر كذبت عليها يا رسول اللّه إن أمسكتها ، هي طالق ثلاثا ، فقوله هذا يقتضي بقاء العصمة بعد اللعان ، إذ لو وقعت الفرقة باللعان لكان كلامه لغوا ، وتطليقه إياها عبثا ، ولما أقره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على شيء من ذلك .
وقال عثمان البتي وطائفة من فقهاء البصرة : لا يقع باللعان فرقة البتة ، لأنّ أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه ، وهذا لا يوجب تحريما ، كما لو قامت البينة على زناها . وأما تفريق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين المتلاعنين في قصة عويمر العجلاني فذلك لأنّ الزوج كان طلقها ثلاثا قبل اللعان .
وأما التحريم المؤبد بينهما فقال به عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وجمع من الصحابة والتابعين ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والثوري وأبو عبيد ، والسنة الصحيحة صريحة في أنّ المتلاعنين لا يجتمعان أبدا .
وقال أبو حنيفة ومحمد وسعيد بن المسيّب : إن أكذب الزوج نفسه فهو خاطب من الخطاب ، وقد يحتجّ لهم بعموم قوله تعالى :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] وقوله جلّ شأنه :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] .
والذي تقتضيه حكمة اللعان أن يكون التحريم مؤبدا ، فإنّ لعنة اللّه وغضبه قد حلّ بأحدهما لا محالة ، ولا نعلم عين من حلّ به ذلك منهما يقينا ، فوجب التفريق بينهما خشية أن يكون الزوج هو الذي قد وجبت عليه لعنة اللّه ، وباء بها ، فيعلو امرأة غير ملعونة ، وحكمة الشرع تأبى ذلك ، كما تأبى أن يعلو الكافر المسلمة . وأيضا فإنّ النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا ، فإنّ الرجل إن كان صادقا عليها ، فقد أشاع فاحشتها ، وفضحها على رؤوس الأشهاد ، وأقامها مقام الخزي والغضب ، وإن كان كاذبا : فقد أضاف إلى ذلك أنّه بهتها ، وزاد في غيظها وحسرتها .
كذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد ، وأوجبت عليه