وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين ، وقيل :
أصله الإبصار مطلقا ، وقيل : الإحساس ، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن : أي علم الرشد بيّنا ، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير ، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط ، أو مع صلاح الدين ، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها .
لمّا أمر اللّه بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم ، وبيان شرط ذلك الدفع ، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم .
واتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية ، وقال الإمام مالك : إنه بعد البلوغ .
وفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة ، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا ، وذلك يقتضي صحة التصرف ، وقال الشافعي : الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف ، ولا يتوقف عليه ، بل يكون الاختبار دون التصرف ، على حسب ما يليق بحال الصبي ، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد ، وحينئذ يعقد الولي إن أراد ، وعلى هذا القياس .
وأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي ، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه .
وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه ، ودفعه إليه موقوف على شرطين : بلوغه ، ثم رشده .
وظاهر قوله تعالى :
حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
أنه لا تدفع أموالهم إليهم ، ولو بلغوا ، ما لم يؤنس منهم الرشد ، وهو مذهب الشافعي ، وقول الصاحبين « 1 » ، وبه قال مجاهد ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال : لا يدفع إلى اليتيم ماله ؛ وإن شمط ، ما لم يؤنس منه رشد ، ونسب هذا القول للشعبي .
وقال الإمام أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله ، وإن لم يؤنس منه
هامش
( 1 ) وهما : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي ، البغدادي ، وهو أول من نشر مذهب أبي حنيفة ، كان من حفاظ الحديث توفي سنة ( 182 ) انظر الأعلام للزركلي ( 8 / 193 ) ، ومحمد بن الحسن بن فرقد ، أبو عبد اللّه ولد بواسط ونشأ بالكوفة ، مات في الري سنة ( 189 ه ) انظر الأعلام للزركلي ( 6 / 80 ) .