تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
هذا تلك القاعدة : زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا ، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء أكان جليلا أم دقيقا ، وليس المعنى أن أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ ( الرحمن ) أكثر من أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ ( الرحيم ) ، وقال بعضهم : إنهما مترادفان . وقد فرّق ابن القيم « 1 » بينهما بفرق حسن ، فذكر أن الرحمن دالّ على الصفة القائمة به سبحانه ، والرحيم دالّ على تعلقها بالمرحوم ، وكأنّ الأول الوصف والثاني الفعل ، لذلك ورد
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
[ الأحزاب : 43 ]
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] لم يجئ مطلقا رحمن بهم - اه والرحمن وصف خاصّ باللّه لا يطلق على غيره بخلاف رحيم . والجار في
بِسْمِ
متعلق بمحذوف يقدّر هاهنا ( أقرأ ) . فإن قيل : إن المتعلق هنا كون خاص وهو لا يحذف . قيل : إنه يجوز حذفه لدليل ، وهو هنا حالي ، إذ حينما يقرأ البسملة ، ويأخذ بعد ذلك في القراءة يعلم المتعلّق ، وإنه ( أقرأ ) . وكذا المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال ( بسم اللّه ) علم المتعلّق ، وهو ( أحل ) أو ( أرتحل ) وكذا كل فاعل فعل يقول : ( بسم اللّه ) يضمر ما جعل التسمية مبدأ له ، ويعلم السامع ذلك من دلالة الحال . والمعنى : ومعنى أقرأ
بِسْمِ اللَّهِ
أقرأ مستعينا باسم اللّه ، وهنا محل بحث ، وهو أنه إذا كان الأمر على ما وصفنا ، فكان ينبغي أن يقال : ( باللّه ) لا ( باسم اللّه ) ، لأن الاستعانة إنما هي باللّه لا باسمه . وقد اختلف الناس في الخروج من هذا ، فذهب بعضهم إلى أن لفظ ( اسم ) مقحم كقول الشاعر « 2 » :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
أي : ثم السلام عليكما . وذهب آخرون إلى أن الاسم عين المسمّى . وذهب ابن جرير الطبري « 3 » إلى أن اسم في
بِسْمِ اللَّهِ
المراد به الحدث ، أي بذكر اللّه أقرأ ، وقد عمل وإن كان ليس جاريا على حروف فعله كقوله :
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي * وبعد عطائك المائة الرتاعا « 4 »
وقال المتأخرون : الباء للمصاحبة ، والغرض مصاحبة اسم اللّه في القراءة تبركا ،
هامش
( 1 ) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي ، تلميذ ابن تيمية وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه ، وسجن معه ، انظر الدر الكامنة لابن حجر ( 3 / 243 ) ترجمة ( 3700 ) . ( 2 ) هو لبيد بن ربيعة انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي ( 1 / 62 ) . ( 3 ) محمد بن جرير الطبري نسبة إلى طبرستان توفي في بغداد ( 310 ه ) ، انظر شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي ، بيروت دار الفكر 1994 ( 2 / 260 ) . ( 4 ) الرّتاع : الرعي في الخصب ، انظر لسان العرب لابن منظور ، ط 1 ، بيروت دار صادر ، 1955 ( 8 / 113 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 16 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان