تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
عليها ، وكانت هاتان السورتان - المزمل والمدثر - من أوائل القرآن نزولا ، ويروى أن الوحي لما نزل على النبي للمرة الثانية وجده متزملا في قطيفة فقال له :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ
وجاءه مرة أخرى وكان متدثرا فقال :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ
.

المعنى :

يا أيها المزمل - المتلفف بكساء وقد اضطجع في ركن داره - قم الليل إلا قليلا منه وهو نصفه « 1 » أو انقص منه قليلا بحيث يزيد على الثلث ، أو زد عليه قليلا بحيث لا يزيد على الثلثين ، فالنبي - عليه السلام - أمر بأن يقوم من الليل ساعات تتراوح بين الثلث والثلثين ، وهو التهجد
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ سورة الإسراء آية 79 ] . يا أيها المزمل : دع ما أنت فيه وانشط لقيام الليل والصلاة فيه ، وقراءة القرآن وترتيله وتدبر معناه . هذا خطاب للنبي ويدخل معه في ذلك أمته وخاصة أصحاب الدعوات والمبادئ والأفكار ، والشارع الأعظم يقصد بهذه الإرشادات والتوجيهات التربية الإسلامية الكاملة ، تربية الجسم وتعويده على تحمل المشاق والمكاره ، وتربية النفس بسموها وبعدها عن شوائب المادة وقوتها بحيث تحكم على الجسم ونوازع الشر فيه ، إذ لا شك أن قيام الليل شاق على النفس لكنه يؤدبها ويهذبها ، ويعودها الصبر ، وهو كذلك مما يقوى الأجسام ويساعدها على العمل والثبات في معترك الحياة . والنبي - عليه السلام - تنتظره في دعوته مشاق ومتاعب وتكاليف ، ودرعه الواقي في ذلك هو تعويد جسمه على تحمل المشاق ، وتقوية روحه بالعمل الصالح وتلاوة القرآن ، يا ليت قومي يعلمون ذلك فيعملون على تحقيقه ، ويفرحون لإرادة اللّه ذلك لهم .
هامش
( 1 ) - هذه إشارة إلى أن ( نصفه ) بدل من ( قليلا ) ووصفه بالقلة إشارة إلى أن النصف الذي أحياه بمنزلة الكل .