تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 744

مساهمون:

ص٧٤٤
لقد أجاب اللّه عن هذا السؤال بقوله : هو للكافرين ، ليس له دافع ، أي : هذا العذاب معد ومهيأ للكافرين ، ليس له مانع يمنعه من اللّه رفيع الدرجات صاحب المعارج والمراقي إلى الكمالات ؛ وهذه المعارج إذا نسبت إلى الحق - تبارك وتعالى - كانت بمعنى علو الذات وترفعها عن النقائص ووصفها بكل الكمالات . تعرج وتصعد إليه الملائكة - وخاصة جبريل - في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سنى الدنيا ، تعرج إلى حظيرة القدس ، حيث يفاض عليها من التجليات الإلهية ، والأوامر الربانية ما به يحصل النظام العام للكون ، وما يتعلق بتدبير الكائنات ، فليس عروجهم وصعودهم إلى مكان لأنه منزه عن الحلول بالمكان . وهل هذا اليوم الطويل هو كناية عن أيام الدنيا أو الآخرة ؟ قيل بهذا وبذاك ، واللّه أعلم بكتابه ، على أن المراد بقوله : ( خمسين ألف سنة ) هو الكثرة المطلقة لا التحديد بهذا العدد ، والعرب تفعل هذا كثيرا في كلامها . بقي أن نفهم السر في الارتباط بين سؤال السائل والعذاب الواقع ، وبين عروج الملائكة وترددها بين اللّه - سبحانه وتعالى - وبين هذه الأكوان بما يريده منها ويقضيه فيها . الجواب : أن المعنى : هذا معد للكافرين ، ليس لهم ما يمنعهم من عذاب اللّه أبدا ، ثم نبههم بقوله : تعرج الملائكة . . . الآية إلى أن هذا العذاب إنما يرونه بعيدا لطول مدة الدنيا في نظرهم ، مع أنها ليست كذلك عند اللّه تعالى ، وبالنسبة إلى الأحقاب التي تربط الأبد بالأزل ، سوى يوم واحد تعرج فيه الملائكة إلى اللّه بالتدبير لهذه الدنيا التي ترونها خمسين ألف سنة ، فما لكم تستعجلون العذاب ؟ فهم يرون العذاب بعيدا جدّا لأن الدنيا في نظرهم طويلة جدّا ، وأما عند اللّه فالدنيا يوم واحد وزمن قليل فما لكم تستبطئون الحساب ؟
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
« 1 » ترى أن اللّه قدر اليوم عنده بألف سنة مرة ، وأخرى بخمسين ألف سنة ، والمراد الكثرة لا التحديد بزمن - واللّه أعلم - وقيل : المراد باليوم هو يوم القيامة وصف بأنه خمسون ألف سنة تهويلا وتخويفا للكفار ، والخلاصة أن المراد وصف اليوم بالطول مطلقا .
هامش
( 1 ) - سورة الحج آية 47 .