تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 890

مساهمون:

ص٨٩٠
والذي حصل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أذن لهم لما أقسموا كاذبين : إنهم لا يستطيعون الجهاد ، فجاء قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
؟ . . صريحا في أنه - سبحانه وتعالى - عفا عنه - عليه الصلاة والسلام - وما وقع منه عند إذنه للمتخلفين المنافقين ، فقد ترك الأولى والأفضل ، وكان الأحسن الانتظار والتأنى حتى تنكشف أمورهم وتظهر للعيان ، كأنه قيل : لم سارعت إلى الإذن لهم ؟ وهلا انتظرت حتى ينجلي الأمر فإن هذا هو الحزم والحكمة ! ! على أن اللّه كره انبعاثهم ، وكان في خروجهم خطر على المسلمين ، وفي تصدير فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العقاب لطف الرب اللطيف بالحبيب المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك بخلاف مفاداة الأسرى فإن الخطأ فيها كان كثيرا ، وكذا كان التعبير هناك صارما
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . .
[ سورة الأنفال آية 67 ] . ليس من شأن المؤمنين باللّه الذي كتب عليهم الجهاد ، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الأجر الكامل على الأعمال ، أن يستأذنوك في أمر الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس بل يقدمون عليه عند وجوبه بهمة ونشاط ، فهل يعقل أن يكون من شأنهم أن يستأذنوك في التخلف عنه بعد النفير العام له ؟ . . كلا . . نعم لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد أبدا ما داموا مستطيعين ذلك ، واللّه عليم بالمتقين وسيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء ، إنما يستأذنك المنافقون الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر في القعود عن الجهاد منتحلين الأعذار ، مقسمين أحرج الأيمان ، واللّه يعلم إنهم لكاذبون ، وهذا يقتضى عدم الإذن لهم بسرعة . فهم قد ارتابت قلوبهم ، وملئت شكّا ونفاقا ، وهم في ريبهم يترددون ، يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو قاتلهم اللّه أنى يؤفكون ؟ ! ولو أرادوا الخروج معك للقتال لأعدوا له عدته من الزاد والراحلة ، وقد كانوا مستطيعين ذلك . ولكن كره اللّه انبعاثهم وخروجهم مع المؤمنين ؛ لأنهم لو خرجوا ما فعلوا إلا تفريق كلمتهم ، وإذاعة قالة السوء بينهم ، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر ، وما أذاع في جوانبهم من المخاوف فلم يعدوا للخروج عدته وكان في متناول أيديهم ، وقيل لهم من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : اقعدوا مع القاعدين من المرضى والصبيان والنساء والضعفاء .
التفسير الواضح — صفحة 890 | محمد محمود حجازي