تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
في بداية هذه السورة نواجه قَسماً قرآنيا جديداً . يقول سبحانه : « وَالْعَصْرِ » . « العصر » : في الأصل الضغط ، وإنّما اطلق على وقت معين من النهار لأنّ الأعمال فيه مضغوطة . ثم أطلقت الكلمة على مطلق الزمان ومراحل تاريخ البشرية ، أو مقطع زماني معين ، كأن نقول عصر صدر الإسلام . قيل : إنّه كل الزمان وتاريخ البشرية المملوء بدروس العبرة ، والأحداث الجسيمة . وهو لذلك عظيم يستحق القسم الإلهي . بعضهم قال : إنّه مقطع خاص من الزمان مثل عصر البعثة النبوية المباركة ، أو عصر قيام المهدي المنتظر عليه السلام ، وهي مقاطع زمنية ذات خصائص متميزة وعظمة فائقة في تاريخ البشر . والقسم في الآية إنّما هو بتلك الأزمنة الخاصة . ولكن الأنسب فيها هو القسم بالزمان وتاريخ البشرية ، لأنّ القسم القرآني - كما ذكرنا مراراً - يتناسب مع الموضوع الذي أقسم اللَّه من أجله ومن المؤكّد أنّ خسران الإنسان في الحياة ناتج عن تصرّم عمره ، أو أنّه عصر بعثة الرسول صلى الله عليه وآله ، لأنّ المنهج ذا المواد الأربع في ذيل هذه السورة نزل في هذا العصر . الآية التالية تحمل الموضوع الذي جاء القَسم من أجله . يقول سبحانه : « إِنَّ الْإِنسنَ لَفِى خُسْرٍ » . الإنسان يخسر ثروته الوجودية شاء أم أبى . تمرّ الساعات والأيّام والأشهر والأعوام من عمر الإنسان بسرعة ، تضعف قواه المادية والمعنوية ، تتناقص قدرته باستمرار . القلب له قدرة معينة على الضربان ، وحين تنفد هذه القدرة يتوقف القلب تلقائياً دون علّة من عيب أو مرض ، هذا إذا لم يكن توقف الضربان نتيجة مرض ، وهكذا سائر الأجهزة الوجودية للإنسان ، وثروات قدراته المختلفة . إنّ الدنيا في المنظور الإسلامي سوق تجارة ، كما يقول الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام : « الدنيا سوق ، ربح فيها قوم وخسر آخرون » « 1 » . الآية الكريمة التي نحن بصددها تقول : كل الناس في هذه السوق الكبرى خاسرون إلّا مجموعة تسير على المنهج الذي تبيّنه الآية التالية .
هامش
( 1 ) تحف العقول / 483 .
مختصر الامثل — صفحة 528 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي