تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
هذه الدنيا أو في عالم الآخرة ، إلّاأنّ هذا الأمر يظهر ويتّضح بصورة أشد في يوم القيامة . في ذلك اليوم لن يقتصر الوضوح والظهور على أعمال البشر الخفية فحسب ، بل على صفات وروحيات وأخلاقيات ونيّات الجميع فإنّها هي الأخرى تبرز وتظهر ، وهذا أمر عظيم جدّاً ، بل إنّه أعظم من انفجار الأجرام السماوية وتلاشي الجبال - كما يقول البعض - حيث الفضيحة الكبرى للطالحين ، والعزّة والرفعة للمؤمنين بشكل لا نظير له . لذا يقول سبحانه بعد ذلك : « فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ » . ثم يعلن بافتخار عظيم فيقول : « إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلقٍ حِسَابِيَهْ » . « ظن » : في مثل هذه الموارد تكون بمعنى ( اليقين ) إنّه يريد أن يقول : إنّ ما تفضّل به اللَّه تعالى عليّ كان بسبب إيماني بهذا اليوم ، والحقيقة أنّ الإيمان بالحساب والكتاب يمنح الإنسان روح التقوى ، والتعهّد والإحساس بالمسؤولية ، وهذا من أهمّ عوامل تربية الإنسان . ثم يبيّن اللَّه تعالى في الآيات اللاحقة جانباً من جزاء وأجر هؤلاء الأشخاص حيث يقول : « فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ » . وبالرغم من أنّ الجملة أعلاه تجسّد كل ما يستحقّ أن يقال في هذا الموضوع ، إلّاأنّه سبحانه يضيف للتوضيح الأكثر : « فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ » . إنّ الجنة تكون عالية ورفيعة بشكل لم ير أحد مثلها قطّ ، ولم يسمع بها ، ولم يتصور مثلها . « قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ » « 1 » . حيث لا جهد مكلّف ولا مشقة في قطف الثمار ، ولا عائق يحول من الإقتراب للأشجار المحمّلة بالثمار ، وجميع هذه النعم في متناول الأيدي بدون استثناء . وفي آخر آية - مورد البحث - يوجّه الباريء عزّ وجل خطابه المملوء بالحبّ والمودّة والاعتزاز إلى أهل الجنة بقوله : « كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ » . وهكذا كانت هذه النعمة العظيمة التي منحها اللَّه لهؤلاء المتقين جزاء أعمالهم الصالحة وإنّ الأعمال الخيّرة والمحدودة هي التي أثمرت هذه الثمار الكبيرة حيث ظل الرحمة الإلهية واللطف الرباني . والسؤال المطروح هو : هل أنّ دعوة المؤمنين لأهل المحشر لقراءة كتاب حسابهم وصحيفة أعمالهم - طبقاً لما جاء في الآية الكريمة : « فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ » - تعني أنّ صحيفة أعمالهم خالية من أي ذنب ؟
هامش
( 1 ) « قطوف » : جمع « قطف » بمعنى أن الثمر قد اقتطف ، وتأتى أحياناً بمعنى الثمار المهيئة للإقتطاف أيضاً .
مختصر الامثل — صفحة 251 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي