وهكذا فإنّهم بهذا القول يكذّبون حتى النبي صلى الله عليه وآله ويعدّون أساس منعهم من الاشتراك في معركة خيبر الحسد فحسب .
وفي ذيل الآية يصرّح القرآن عن حالهم فيقول : « بَلْ كَانُوا لَايَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا » .
أجل إنّ أساس جميع شقائهم وسوء حظهم هو جهلهم وعدم فقاهتهم ، فالجهل ملازم لهم أبداً ، جهلهم باللَّه سبحانه وعدم معرفة مقام النبي صلى الله عليه وآله وجهلهم عن مصير الإنسان وعدم توجّههم إلى أنّ الثروة في الدنيا لا قرار فيها ، فهي زائلة لا محالة .
واستكمالًا لهذا البحث فإنّ الآية التالية تقترح على المخلّفين عن الحديبية اقتراحاً وتفتح عليهم باب العودة فتقول : « قُلْ لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مّن قَبْلُ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا » .
فينبغي أن تؤدّوا امتحان صدقكم في الميادين الصعبة وأن تُسهموا فيها مرّةً أخرى ، وإلّا فإنّ اجتناب الميادين الصعبة ، والمساهمة في الغنائم وميادين الراحة غير مقبول .
ومن هم هؤلاء القوم المعبّر عنهم ب « أولي بأس شديد » في الآية وأي جماعة هم ؟ !
نقول : جملة « تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ » تدلّ على أنّهم ليسوا من أهل الكتاب ، لأنّ أهل الكتاب لا يُجبرون على قبول الإسلام ، بل يُخيّرون بين قبوله أو دفع الجزية والحياة مع المسلمين على شروط أهل الذمة .
وإنّما الذين لا يُقبل منهم إلّاالإسلام هم المشركون وعبدة الأصنام فحسب ، لأنّ الإسلام لا يعترف بعبادة الأصنام ديناً ويرى أنّه لابدّ من إجبار الناس على ترك عبادتها .
ومع الالتفات إلى أنّه لم تقع معركة مهمة في عصر النبي بعد حادثة الحديبية مع المشركين سوى فتح مكة وغزوة حنين ، فيمكن أن تكون الآية المتقدمة إشارة إلى ذلك وخاصة غزوة حنين لأنّها اشترك فيها أولو بأس شديد من « هوازن » و « بني سعد » .
الآية الأخيرة من الآيات محلّ البحث تبيّن أعذارهم وخاصة أنّ بعض المفسّرين قالوا إنّ جماعة من المعوّقين جاؤوا إلى النبي بعد نزول الآية وتهديدها للمخلّفين بقولها « يعذّبكم عذاباً أليماً » ، فقالوا : يا رسول اللَّه ، ما هي مسؤوليتنا في هذا الموقع ؟ فنزل قوله تعالى : « لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ » .
وليس الجهاد وحده مشروطاً بالقدرة ، فجميع التكاليف الإلهية هي سلسلة من
مختصر الامثل — صفحة 508
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٠٨