تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ويضيف : إنّ هذا المصير لا ينحصر بأولئك الأقوام وحسب بل إنّ مشركي مكة سيبتلون في القريب العاجل بعواقب أعمالهم السيئة ، ولا يستطيع أحد منهم أن يفرّ من قبضة العذاب الإلهي الذي سينزل بهم جميعاً : « وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ » . وسينال هذا العذاب والابتلاء كل الطغاة والمغرورين والمشركين ، وفي كل العصور والقرون . القرآن الكريم أجاب على ادعاءات الذين يزعمون أنّهم حصلوا على النعم الدنيوية بعلمهم وقدرتهم ، عندما دعاهم إلى مراجعة تاريخ الأوّلين للإطّلاع على أنواع الابتلاءات والعذاب الذي ابتلوا به بسبب مزاعمهم الباطلة ، وهذا هو ردّ تأريخي وواقعي . ثم يرد القرآن الكريم عليهم بردّ عقلي ، إذ يقول : « أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ » . فالكثير من الأشخاص الكفوئين نراهم يعيشون حياة المستضعفين والبسطاء ، في حين نرى أنّ الكثير من الأشخاص غير الكفوئين يعيشون أثرياء ومتنعمين من كل النواحي ، فلو كان الظفر المادي كلّه يأتي عن طريق جهد وسعي الإنسان إضافة إلى كفاءته ، لما كنّا نرى مثل هذه المشاهد . لذا تضيف الآية : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . الآيات التي وضّحها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام عندما قال : « عرفت اللَّه بفسخ العزائم وحلّ العقود ونقض الهمم » « 1 » . وهي كلمة سامية تدلّ على ضعف وعجز الإنسان كي لا يتيه ولا يبتلى بالغرور والتكبر . إنّ اللَّه يغفر الذنوب جميعاً : بعد التهديدات المتكررة التي وردت في الآيات السابقة قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ( 55 )
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 250 .
مختصر الامثل — صفحة 288 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي