تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
فأسقطه من فرسه مضرّجاً بدمه خلال إحدى المعارك . أمّا من حيث قدرته السياسية ، فقد كانت حكومته قويّة ومستعدّة دائماً لمواجهة الأعداء ، بكل قوّة وإقتدار ، حتى قيل أنّ الآلاف من جنده كانت تقف على أهبة الاستعداد من المساء حتى الصباح في أطراف محراب عبادته . ومن حيث قدرته الأخلاقية والمعنوية والعبادية ، فإنّه كان يقوم معظم الليل في عبادة اللَّه ، ويصوم نصف أيّام السنة . وأمّا من حيث النعم الإلهية ، فقد أنعم عليه الباريء عزّ وجل بالكثير من النعم الظاهرية والباطنية . خلاصة الحديث ، إنّ داود كان رجلًا ذا قوّة وقدرة في الحروب والعبادات والعلم والمعرفة وفي السياسة ، وكان أيضاً صاحب نعمة كبيرة « 1 » . فإنّ الآيات الآنفة بعد أن تطرّقت بصورة موجزة إلى نعم اللَّه على داود ، تشرح أنواعاً من تلك النعم . قال تعالى : « إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِالْعَشِىّ وَالْإِشْرَاقِ » . كذلك سخّرنا له مجاميع الطيور كي تسبّح اللَّه معه : « وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً » . فكل الطيور والجبال مسخّرة لداود ومطيعة لأوامره ، وتسبّح معه الباريء عزّ وجل ، وتعود إليه ، « كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ » . إنّ تسبيحها كان توأماً مع صوت ظاهري ، مرافقاً لنوع من الإدراك والشعور الذي هو في باطن ذرّات العالم ، وطبقاً لهذا الاحتمال ، فإنّ كل موجودات العالم تتمتّع بنوع من العقل والشعور ، وحينما تسمع صوت مناجاة هذا النبي الكبير تردّد معه المناجاة ، ليمتزج تسبيحها مع تسبيح داود عليه السلام . وتواصل الآية التالية استعراض نعم اللَّه على داود عليه السلام ، قال تعالى : « وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ » . أي : ثبّتنا وأحكمنا مملكته ، بحيث كان العصاة والطغاة من أعدائه يحسبون لمملكته ألف حساب لقوّتها . وإضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة والعلم والمعرفة « وَءَاتَيْنهُ الْحِكْمَةَ » . ( الحكمة ) هنا تعني العلم والمعرفة وحسن تدبير أمور البلاد ، أو مقام النبوّة ، أو جميعها .
هامش
( 1 ) « أيد » : جمع « يد » ، وقد استعملت هنا لكونها مظهر القوّة والنعمة والملك ، وقد حملت كل هذه المعاني هنا .
مختصر الامثل — صفحة 234 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي