تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
في الواقع إنّ ثلاثة بشائر جمعت في هذه الآية ، الأولى أنّه سيرزق طفلًا ذكراً ، والثانية أنّ هذا الطفل يبلغ سنّ الفتوّة ، أمّا الثالثة فهي أنّ صفته حليم . أخيراً ، ولد الطفل الموعود لإبراهيم وفق البشارة الإلهية ، وأثلج قلب إبراهيم الذي كان ينتظر الولد الصالح لسنوات طوال ، إجتاز الطفل مرحلة الطفولة وأضحى غلاماً ، وهنا يقول القرآن : « فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ » . يعني أنّه وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع فيها السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف أمور الحياة وإعانته على أموره . فقد ذهب جمع من المفسرين : إنّ عمر إسماعيل كان ( 13 ) عاماً حينما رأى إبراهيم ذلك المنام العجيب المحيّر ، والذي يدلّ على بدء امتحان عسير آخر لهذا النبي ذي الشأن العظيم ، إذ رأى في المنام أنّ اللَّه يأمره بذبح ابنه الوحيد وقطع رأسه . امتحان شاقّ آخر يمرّ على إبراهيم الآن ، إبراهيم الذي نجح في كافّة الإمتحانات الصعبة السابقة وخرج منها مرفوع الرأس ، ولكن قبل كل شيء ، فكّر إبراهيم عليه السلام في إعداد ابنه لهذا الأمر ، حيث « قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى » . الولد الذي كان نسخة طبق الأصل من والده ، والذي تعلّم خلال فترة عمره القصيرة الصبر والثبات والإيمان في مدرسة والده ، رحّب بالأمر الإلهي بصدر واسع وطيبة نفس ، وبصراحة واضحة قال لوالده : « قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ » . ولا تفكّر في أمري ، فإنّك « سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » . فما أعظم كلمات الأب والابن وكم تخفي في بواطنها ؛ فمن جهة ، الأب يصارح ولده البالغ من العمر ( 13 ) عاماً بقضية الذبح ، حيث جعله هنا شخصية مستقلّة حرّة الإرادة . ومن جهة أخرى ، عمد الابن إلى ترسيخ عزم وتصميم والده في تنفيذ ما أمر به . وبهذا الشكل يجتاز الأب وابنه المرحلة الأولى من هذا الامتحان الصعب بإنتصار كامل . كتب البعض : إنّ إسماعيل ساعد والده في تنفيذ هذا الأمر الإلهي ، وعمل على تقليل ألم وحزن والدته . يا أبت ، أحكم شدّ الحبل كي لا تتحرّك يدي ورجلي أثناء تنفيذك الأمر الإلهي ، أخاف أن يقلّل ذلك من مقدار الجزاء الذي سأناله . والدي العزيز اشحذ السكّين جيّداً ، وامرره بسرعة على رقبتي كي يكون تحمّل ألم الذبح سهلًا بالنسبة لي ولك .