تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
بدأوا بتهيئة المقدمات ووفروا خلال ماسنحت لهم الفرصة عصيّهم وحبالهم ، ويظهر أنّهم صيّروها جوفاء وطلوها بمادة كيميائية كالزئبق - مثلًا - بحيث تتحرك وتلمع عند شروق الشمس عليها . وأخيراً كان اليوم الموعود والميقات المعلوم ، وانثال الناس إلى ساحة العرض ليشهدوا المبارزة التاريخية : « قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ » . وأمّا السحرة الغارقون بغرورهم ، والذين بذلوا أقصى جهودهم لانتصارهم في هذا « الميدان » ، فقد كانوا مستعدين ومؤمّلين لأن يغلبوا موسى عليه السلام : « فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغلِبُونَ » « 1 » . وهنا - كما يبيّن القرآن في الآية ( 66 ) من سورة طه - تحركت العصيّ كأنّها الأفاعي والثعابين و « يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى » . فتهللت أسارير وجوه الناس ووجه فرعون فرحاً ، وأشرق الأمل في عيني فرعون وأتباعه ، إلّاأنّ موسى عليه السلام لم يمهل الحاضرين ليستمر هذا المشهد ويدوم هذا الفصل المثير ، فتقدم : « فَأُلْقِىَ مُوسَى عَصَاهُ » فتحولت إلى ثعبان عظيم وبدأت بالتهام وسائل وأدوات السحرة بسرعة بالغة : « فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ » « 2 » . وهنا فر جماعة من مكانهم وبقي آخرون يترقبون نهاية المشهد ، وأفواه السحرة فاغرة من الدهشة . . . وتبدّل كل شيء ، وثاب السحرة إلى رشدهم بعد أن كانوا - إلى تلك اللحظة - مع فرعون غارقين في الشيطنة ، ولأنّهم كانوا عارفين بقضايا السحر ودقائقه ، فإنّهم تيقنوا أنّ عصا موسى لم تكن سحراً ، بل هي معجزة إلهية كبرى : « فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سجِدِينَ » . واقترن هذا العمل العبادي - وهو السجود - بالقول بلسانهم ف « قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ » . ولئلّا يبقى مجال للإبهام والغموض والتردد ، ولئلّا يفسر فرعون ذلك تفسيراً آخر فإنّهم قالوا : « رَبّ مُوسَى وَهرُونَ » .
هامش
( 1 ) « الحبال » : جمع « حبل » على وزن ( طبل ) ومعناها واضح ؛ و « العصي » : جمع العصا . ( 2 ) « تلقف » : مشتق من « اللقف » على زنه ( السقف ) ومعناه إمساك الشيء بسرعة ، سواء كان ذلك باليد أم الفم ، ومعلوم أنّ المراد هنا الإمساك بالفم والإبتلاع . « يأفكون » مشتق من « الإفك » ومعناه الكذب ، وهي إشارة إلى وسائلهم الباطلة .
مختصر الامثل — صفحة 426 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي