تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وأخيراً تشكّلت المحكمة ، وكان زعماء القوم قد اجتمعوا هناك ، ويقول بعض المفسرين : أنّ نمرود نفسه كان مشرفاً على هذه المحاكمة ، وأوّل سؤال وجّهوه إلى إبراهيم عليه السلام هو أن : « قَالُوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هذَا بَالِهَتِنَا يَا إِبْرهِيمُ » . فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم ، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً « قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَسَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ » . إنّ من أسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتّهم بادية عليه آثار الجريمة ، والملاحظ هنا أنّ آثار الجريمة كانت باديةً على يد الصنم الكبير ، [ وفقاً للرواية المعروفة : إنّ إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير ] . لقد هزّت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة ، وأنار فطرتهم التوحيدية من خلف حجب التعصب والجهل . ورجعوا إلى فطرتهم ووجدانهم ، كما يقول القرآن : « فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ » . فقد ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم الذي تنتمون إليه ، وكذلك ساحة اللَّه واهب النعم المقدسة . ولكن للأسف ، فإنّ صدأ الجهل والتعصب والتقليد الأعمى كان أكبر من أن يُصقل ويُمحى تماماً بنداء بطل التوحيد . ولم تستمر هذه اليقظة الروحية المقدسة ، ورجع كل شيء إلى حالته الأولى ، وكم هو لطيف تعبير القرآن حيث يقول : « ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ » . ومن أجل أن يأتوا بعذر نيابة عن الآلهة البُكْم قالوا : « لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلَاءِ يَنطِقُونَ » . وأرادوا بهذا العذر الواهي أن يخفوا ضعف وذلة الأصنام . وهنا فُتح أمام إبراهيم الميدان والمجال للاستدلال المنطقي ليوجّه لهم أشدّ هجماته : « قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَنفَعُكُمْ شَيًا وَلَا يَضُرُّكُمْ » . ووسّع معلّم التوحيد دائرة الكلام ، وإنهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس ، فقال : « أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . إلّاأنّه لم يلحّ في توبيخهم وتقريعهم لئلّا يلجّوا في عنادهم . ويستفاد من التواريخ أنّ جماعة آمنوا به ، وهم وإن قلّوا عدداً ، إلّاأنّهم كانوا من الأهمية بمكان ، إذ هيّأوا الاستعداد النسبي لفئة أخرى .