تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
لتراقب مصيرك ، فرأت جنود فرعون : « فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ » . وربّما أضافت بأنّ هذه المرأة لها لبن نظيف ، وأنا مطمئنة بأنّ هذا الرضيع سيقبلها . فاستبشر الجنود على أمل أن يجدوا ضالّتهم عن هذا الطريق ، فذهبوا معها ، فأطلعت أخت موسى - والتي كانت تظهر نفسها بمظهر الشخص الغريب والمجهول - امّها على الأمر ، فجاءت امّه إلى بلاط فرعون ، من دون أن تفقد سيطرتها على أعصابها ، بالرغم من أنّ أمواجاً من الحب والأمل كانت قد أحاطت بكل قلبها ، واحتضنت الطفل ، فلما شمّ الطفل رائحة امّه ، وكانت رائحة مألوفة لديه ، التقم ثديها كأنّه تضمّن لذة الروح وحلاوتها ، واشتغل الطفل بشرب اللبن بلهفة وعشق شديدين ، فانطلقت صرخات الفرح من الحاضرين ، وبدت آثار الفرح والسرور على زوجة فرعون . فقد أمرها فرعون بالاهتمام بالطفل ، وأكّدت زوجته كثيراً على حفظه وحراسته ، وأمرت أن يعرض عليها الطفل بين فترة وأخرى . هنا تحقق ما قاله القرآن : « فَرَجَعْنكَ إِلَى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ » . ومرّت السنون والأعوام ، وتربّى موسى عليه السلام وسط هالة من لطف اللَّه ومحبته ، وفي محيط آمن ، وشيئاً فشيئاً أصبح شابّاً . وكان ذات يوم يمرّ من طريق فرأى رجلين يتشاجران ، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من الأقباط - وهم المصريون ، قوم فرعون - ولمّا كان بنو إسرائيل يعيشون دائماً تحت ضغط الأقباط الظالمين وأذاهم ، هبّ موسى لمعونة المظلوم الذي كان من بني إسرائيل ، ومن أجل الدفاع عنه وجّه ضربة قاتلة إلى ذلك القبطي ، فقضت عليه . إنّ موسى ، وحسب إشارة بعض أصدقائه عليه ، خرج متخفّياً من مصر ، وتوجّه إلى مدين ، فوجد محيطاً وجوّاً آمناً في ظل النبي « شعيب » ، والذي سيأتي شرح حاله في تفسير سورة القصص إن شاء اللَّه تعالى هنا حيث يقول القرآن الكريم : « وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنكَ مِنَ الْغَمّ وَفَتَنكَ فُتُونًا » . فبعد حادثة القتل اختبرناك كثيراً وألقينا بك في اتون الحوادث والشدائد « فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ » . وبعد اجتياز هذا الطريق الطويل ، والاستعداد الروحي والجسمي ، والخروج من دوامة الأحداث بشموخ وانتصار « ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يمُوسَى » . أي لاستلام مهمة الرسالة في زمان مقدّر إلى هذا المكان .