تعقيباً على التعاليم والأوامر العشر التي مرّت في الآيات السابقة ، والتي امر في آخرها باتباع الصراط الإلهي المستقيم ، وبمكافحة أي نوع من أنواع النفاق والتفرقة ، جاءت هذه الآية تتضمّن تأكيداً على هذه الحقيقة ، وتفسيراً وشرحاً لها . فيقول تعالى أوّلًا : « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ » « 1 » . أي أنّ الذين اختلفوا في الدين وتفرّقوا فرقاً وطوائف لا يمتّون إليك بصلة أبداً ، كما لا يرتبطون بالدين أبداً ، لأنّ دينك هو دين التوحيد ، ودين الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم ما هو إلّاواحد لا أكثر .
ثم قال تعالى - مُهدّداً مُوبّخاً أولئك المفرّقين - : « إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ » . أي أنّ اللَّه هو الذي سيؤاخذهم بأعمالهم وهو عليم بها ، لا يغيب شيء منها .
محتوى هذه الآية يمثّل حكماً عامّاً يشمل كل من يفرّق الصفوف ، وكل من يبذر بذور النفاق والاختلاف بين عباد اللَّه بابتداع البدع ، من دون فرق بين من كان يفعل هذا في الأمم السابقة أو في هذه الأمة .
هذه الآية تكرّر مرّة أخرى - وبمزيد من التأكيد - هذه الحقيقة وهي أنّ الإسلام دين الوحدة والاتحاد وأنّه يرفض كل لون من ألوان التفرقة وإلقاء الاختلاف في صفوف الأمة .
في الآية اللاحقة إشارة إلى الرحمة الإلهيّة الواسعة ، وإلى الثواب الإلهي الواسع الذي ينتظر الأفراد الصالحين المحسنين وقد عقّبت التهديدات المذكورة في الآية بهذه التشجيعات : « مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا » .
ثم قال : « وَمَن جَاءَ بِالسَّيّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا » .
وللتأكيد يضيف هذه الجملة أيضاً فيقول : « وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » وإنّما يعاقبون بمقدار أعمالهم .
و « الحسنة » و « السيئة » في الآية الحاضرة يشمل كل عمل صالح وفكر صالح وعقيدة صالحة أو سيئة .
هامش
( 1 ) « الشِيَع » : من حيث اللغة تعني الفرق والطوائف المختلفة وأتباع الأشخاص المختلفين ، وعلى هذا فإنّ مفردهذه الكلمة يعني من يتّبع مدرسة أو شخصاً معيّناً ، هذا هو المعنى اللغوي لكلمة الشيعة . ولكن للفظة الشيعة معنى آخر في الاصطلاح ، فهو يُطلق على من يتبع أمير المؤمنين علياً عليه السلام ويشايعه ، ولا يصح أن نخلط بين المعنيين اللغوي والإصطلاحي .