ثم يقول سبحانه : « وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا » .
ثم يستثني بعد هذا ثلاثة موارد :
أوّلها : الشحوم الموجودة في موضع الظهر من هذين الحيوانين إذ يقول : « إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا » .
وثانياً : الشحوم الموجودة على جنبيها ، أو بين أمعائها : « أَوِ الْحَوَايَا » « 1 » .
وثالثاً : الشحوم التي امتزجت بالعظم والتصقت به « أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ » .
ولكنه صرّح في آخر الآية بأنّ هذه الأمور لم تكن محرّمة على اليهود ولكنهم بسبب ظلمهم وبغيهم حُرمُوا - بحكم اللَّه وأمره - من هذه اللحوم والشحوم التي كانوا يحبّونها « ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ » .
ويضيف - لتأكيد هذه الحقيقة - قوله : « وَإِنَّا لَصَادِقُونَ » وإنّ ما نقوله هو عين الحقيقة .
ولمّا كان عناد اليهود المشركين أمراً بيّناً ، وكان من المحتمل أن يتصلّبوا ويتمادوا في تكذيب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمر اللَّه تعالى نبيّه في الآية الأخرى أن يقول لهم إن كذّبوه : إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة فهو لا يسارع إلى عقوبتكم ومجازاتكم ، بل يمهلكم لعلكم تؤوبون إليه ، وترجعون عن معصيتكم ، وتندمون من أفعالكم وتعودون إلى اللَّه ، « فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ » .
ولكن إذا أساؤوا فهم أو استخدام هذا الإمهال الإلهي ، واستمروا في كيل التهم فيجب أن يعلموا أنّ عقاب اللَّه إياهم حتمي لا مناص منه ، وسوف يصيبهم غضبه في المآل : « وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » .
إنّ هذه الآية تكشف عن عظمة التعاليم القرآنية ، فإنّه بعد شرح وبيان كل هذه المخالفات التي ارتكبها اليهود والمشركون لا يعمد إلى التهديد بالعذاب فوراً ، بل يترك طريق الرجعة مفتوحاً ، وذلك بذكر عبارات تفيض بالحب مثل قوله : « ربّكم » ، « ذو رحمة » ، « واسعة » .
حتى إذا كان هناك أدنى استعداد للرجوع والإنابة في نفوسهم شوّقتهم هذه العبارات العاطفية على العودة إلى الطريق المستقيم .
هامش
( 1 ) « الحوايا » : جمع « حاوية » وهي مجموعة ما يوجد في بطن الحيوان والتي تكون على هيئة كرة تتضمّن الأمعاء .