خالق كل شيء : هذه الآيات تشير إلى جانب من العقائد السقيمة والخرافات التي يؤمن بها المشركون وأصحاب المذاهب الباطلة ، وتردّ عليهم بالمنطق . فأوّلًا : قالوا : إنّ للَّهشركاء من الجن « وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ » .
فينكر الإسلام عليهم ذلك ، إذ كيف يمكن ذلك وهو الذي خلق الجن : « وَخَلَقَهُمْ » . أي كيف يمكن أن يكون المخلوق شريكاً للخالق ، لأنّ الشركة دليل التماثل والتساوي ، مع أنّ المخلوق لا يمكن أن يكون في مصاف خالقه أبداً !
الخرافة الأخرى هي قولهم - جهلًا - إنّ للَّهبنين وبنات : « وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ » .
أفضل دليل على أنّ هذه العقائد ليست سوى خرافة ، هو أنّها تصدر عنهم « بِغَيْرِ عِلْمٍ » .
أي إنّهم لا يملكون أيّ دليل على هذه الأوهام .
من الملاحظ أنّ القرآن استعمل لفظة « خرقوا » : من الخرق ، وهو تمزيق الشيء بغير روية ولا حساب ، وهي في النقطة المقابلة تماماً « للخلق » القائم على الحساب ، هاتان اللفظتان :
« الخلق والخرق » قد تستعملان في حالات الكذب والاختلاق ، مع اختلاف بينهما ، هو أنّ ( الخلق والاختلاق ) تستعمل في الأكاذيب المدروسة و ( الخرق والإختراق ) فيما لا حساب فيه من الكذب . أي إنّهم اختلقوا تلك الأكاذيب دون أن يدرسوا جوانب الموضوع وبدون أن يعدّوا له ما يلزم من الأمور .
أمّا الطوائف التي كانت تنسب للَّهالبنين ، فإنّ القرآن يذكر في آيات أخرى اسم طائفتين من هؤلاء :
الأولى : هم المسيحيون الذين قالوا : إنّ عيسى ابن اللَّه .
والأخرى : هم اليهود الذين قالوا : عزير ابن اللَّه .
يستفاد من الآية ( 30 ) من سورة التوبة أنّ المسيحيين واليهود ليسوا وحدهم الذين نسبوا إبناً للَّه ، بل كان هذا موجوداً في المعتقدات الخرافية القديمة .
أمّا بشأن نسبة بنات للَّه ، فالقرآن نفسه يوضّح ذلك في آيات أخرى : « وَجَعَلُوا الْمَلِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثًا » « 1 » .
والقرآن يرفض تماماً في نهاية الآية كل هذه الخرافات التي لا أساس لها ، وبعبارة حاسمة قاطعة : « سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ » .
هامش
( 1 ) سورة الزخرف / 19 .