إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( 9 ) حفظ القرآن من التحريف : بعد أن استعرضت الآيات السابقة تحجج الكفار واستهزاءهم بالنبي صلى الله عليه وآله والقرآن ، تأتي هذه الآية المباركة لتواسي قلب النبي صلى الله عليه وآله من جهة ولتطمئن قلوب المؤمنين المخلصين من جهة أخرى ، من خلال طرح مسألة حيوية ذات أهمية بالغة لحياة الرسالة ، ألا وهي حفظ القرآن من التلاعب والتحريف : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » . فبناء هذا القرآن مستحكم وشمس وجوده لا يغطيها غبار الضلال ، ومصباح هديه أبديّ الإنارة ، ولو اتحد أعتى جبابرة التاريخ وطغاته وحكّامه الظلمة ، محفوفين بعلماء السوء ، ومزوّدين بأقوى الجيوش عدّة وعتاداً ، على أن يخمدوا نور القرآن ، فلن يستطيعوا ، لأنّ الحكيم الجبّار سبحانه تعهد بحفظه وصيانته .
وقد اختلف المفسرون في دلالة ( حفظ القرآن ) في هذه الآية المباركة ، والصحيح ، وفقاً لظاهر الآية المذكورة ، أنّ اللَّه تعالى وعد بحفظ القرآن من جميع النواحي : من التحريف ، من التلف والضياع ، ومن سفسطات الأعداء المزاجية ووساوسهم الشيطانية .
المشهور بين أوساط جلّ علماء المسلمين ، أنّ القرآن لم يتعرض لأيّنوع من التحريف ، وأنّ الذي بين أيدينا هو عين القرآن الذي نزل على صدر الحبيب محمّد النبي صلى الله عليه وآله . فلا زيادة أو نقصان ، حتى بكلمة واحدة ، أو بحرف واحد .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ( 11 ) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) العناد والتعصب : تواسي الآيات قلب النبي صلى الله عليه وآله وقلوب المؤمنين لما كانوا يواجهونه من صعاب في طريق دعوتهم ، من خلال الإشارة إلى صراع الأنبياء السابقين مع أقوامهم الضالة والمتعصبة . فتقول أوّلًا : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ » .
ولكنّهم من العناد والتعصب لدرجة : « وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » .
ذلك الاستهزاء وتلك السخرية لاعتبارات عدّة :
مختصر الامثل — صفحة 548
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٤٨