تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
بتوكله على قدرة اللَّه المطلقة يرى نفسه فاتحاً ومنتصراً ، وبهذا الترتيب فالتوكل عامل من عوامل القوة واستمداد الطاقة وسبب في زيادة المقاومة والثبات . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ( 14 ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) خطط الجبارين المعاندين ومصيرهم : عندما يعلم الظالمون بضعف منطقهم وعقيدتهم ، يتركون الاستدلال ، ويلجأون إلى القوة والعنف ، ونقرأ هنا أنّ الأقوام الكافرة العنيدة عندما سمعوا منطق الأنبياء المتين والواضح قالوا لرسلهم : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا » . وكأنّ هؤلاء القوم يعتبرون جميع ما في الأرض ملكهم ، حتى أنّهم لم يمنحوا لرسلهم حقوق المواطنة ، ولذلك يقولون « أرضنا » ، وفي الحقيقة فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الأرض وكل مواهبها للصالحين ، وهؤلاء الجبابرة في الواقع ليس لهم أي حق فيها . ثم يضيف القرآن الكريم لتسلية قلوب الأنبياء : « فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ » . فلا تخافوا من وعيدهم ، ولا تُظهروا الضعف في إرادتكم . وبما أنّ الظالمين كانوا يهدّدون الأنبياء بالتبعيد عن أرضهم ، فإنّ اللَّه في مقابل ذلك كان يعد الأنبياء « وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ » . ولكن هذا النصر والتوفيق لا يناله إلّا « ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ » . وحين انقطعت الأسباب بالأنبياء من كل جانب ، وأدّوا جميع وظائفهم في قومهم ، فآمن منهم من آمن ، وبقي على الكفر من بقي ، وبلغ ظلم الظالمين مداه ، في هذه الأثناء طلبوا النصر من اللَّه تعالى : « وَاسْتَفْتَحُوا . . . » . وقد استجاب اللَّه عزّ وجلّ دعاء المجاهدين المخلصين « وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » .
مختصر الامثل — صفحة 528 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي