رؤوسهم كأنّه مظلّة « وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ » « 1 » . وقد ظنّوا أنّه سيسقط على رؤوسهم ، فإنتابهم اضطراب شديد وفزع « وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ » .
وفي تلك الحالة قلنا لهم : خذوا ما أعطيناكم من الأحكام بقوة وجديّة « خُذُوا مَا ءَاتَيْنكُم بِقُوَّةٍ » .
واذكروا ما جاء فيه حتى تتقوا ، وخافوا من العقاب الإلهي واعملوا بما أخذناه فيه منكم من المواثيق « وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » .
يعني أنّ رسالة موسى عليه السلام وسائر الأنبياء وأعمالهم ومواجهاتهم المستمرة والصعبة وما لقوا من صعاب ومتاعب وشدائد مضنية كانت لأجل تطبيق أوامر اللَّه ، وتنفيذ مبادئ الحق والعدالة والطهر والتقوى في المجتمعات البشرية بشكل كامل .
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) العهد الأوّل وعالم الذر : الآيات المذكورة أعلاه ، تشير إلى « التوحيد الفطري » ووجود الإيمان في أعماق روح الإنسان ، ولذلك فإنّ هذه الآيات تُكمّل الأبحاث الواردة في الآيات المتقدمة من هذه السورة في شأن « التوحيد الإستدلالي » . يقول اللَّه سبحانه مخاطباً نبيّه في هذه الآية : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا » .
« الذرية » : معناها في الأصل الأبناء الصغار اليافعون ، إلّاأنّها تطلق في الغالب على عموم الأبناء .
ثم يشير اللَّه سبحانه إلى الهدف النهائي من هذا السؤال والجواب ، وأخذ العهد من ذرية آدم في مسألة التوحيد ، فيقول : « أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ » .
هامش
( 1 ) « نتقنا » : من مادة « نتق » تعني في الأصل قلع وانتزاع شيء من مكانه ، وإلقاءه في جانب آخر .