تركتكم ، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » .
التّفسير
الأسئلة الفضولية : لا شك أنّ السؤال مفتاح المعرفة ، وفي القرآن وفي الروايات الكثير من التوكيد على الناس أن يسألوا عما لا يعرفون ، ولكن لكل قاعدة استثناء ، ولهذا المبدأ التربوي الأساس استثناءاته أيضاً ، منها أنّ هناك - أحياناً - بعض المسائل التي يكون إخفاؤها أفضل لحفظ النظام الاجتماعي ولمصلحة أفراد المجتمع ، ففي أمثال هذه الحالات لا يكون الإلحاح في السؤال عنها والسعي لكشف النقاب عن حقيقتها بعيداً عن الفضيلة فحسب ، بل يكون مذموماً أيضاً . والقرآن في هذه الآية يشير إلى الموضوع نفسه ويقول :
« يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَسَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » .
ولكن الحاح بعض الناس بالسؤال من جهة ، وعدم الإجابة على أسئلتهم من جهة أخرى ، قد يثير الشكوك والريب عند الآخرين بحيث يؤدّي الأمر إلى مفاسد أكثر ، لذلك تقول الآية : « وَإِن تَسَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ » فيشق عليكم الأمر .
ثم لا تحسبوا اللَّه غافلًا عن ذكر بعض الأمور إن سكت عنها فقد « عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ » .
في تفسير مجمع البيان عن علي عليه السلام قال : « إنّ اللَّه افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ، ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها » .
الآية التي بعدها تؤكد هذه الحقيقة ، وتبين أنّ أقواماً سابقين كانت لهم أسئلة كهذه ، وبعد أن سمعوا أجوبتها خالفوها وعصوا : « قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ » .
ينبغي ألا يظن أحد بأنّ هذه الآيات لا تمنع أبداً القاء الأسئلة المنطقية التربوية والبنّاءة ، بل تتحدد بالأسئلة التي لا لزوم لها ، وبالتعمّق في أمور لا ضرورة للتعمّق فيها والتي من الأفضل بل من اللازم - أحياناً - بقاؤها في طيّ الكتمان .
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ ( 104 )
مختصر الامثل — صفحة 565
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٦٥