الخاسرون الحقيقيون : هذه الآية الكريمة توضح مواصفات الفاسقين بعد أن تحدثت الآية السابقة عن ضلال هذه الفئة ، وتذكر لهم ثلاث صفات :
1 - إنّهم « يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ » .
هؤلاء لهم مع اللَّه عهود ومواثيق ، مثل عهد التوحيد ، وعهد الرّبوبية ، وعهد عدم اتّباع الشيطان وهوى النفس . لكنهم نقضوا كل هذه العهود ، وتمرّدوا على أوامر اللَّه ، واتّبعوا أهواءهم وما أراده الشيطان لهم .
طبيعة هذا العهد : كل موهبة يمنحها اللَّه للإنسان يصحبها عهد طبيعي بين اللَّه والإنسان ، موهبة العين يصحبها عهد يفرض على الإنسان أي يرى الحقائق ، وموهبة الاذن تنطوي على عهد مدوّن في ذات الخلقة يفرض الاستماع إلى نداء الحق . . . وبهذا يكون الإنسان قد نقض العهد متى ما غفل عن استثمار القوى الفطرية المودعة في نفسه ، أو استخدم الطاقات الموهوبة له في مسير منحرف .
الفاسقون : ينقضون بعض هذه العهود الفطرية الإلهيّة ، أو جميعها .
2 - الصفة الأخرى لهؤلاء الفاسقين هي أنّهم : « يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ » .
الآية تتحدث عن قطع الفاسقين لِكلّ ارتباط أمر اللَّه به أن يوصل ، بما في ذلك رابطة الرحم ، رابطة الصداقة ، والروابط الاجتماعية ، والرابطة بهداة البشرية إلى اللَّه ، والارتباط باللَّه .
3 - علامة الفاسقين الثالثة هي الفساد : « وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ » .
وتؤكد الآية في الخاتمة أنّ « أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ » .
وأيّ خسران أكبر من تبديد كل القوى المادية والمعنوية المودعة في الإنسان الرّاميّة لإسعاده ، وإهدارها على طريق الشقاوة والتعاسة والانحراف ؟
أهمية صلة الرحم في الإسلام : الآية المذكورة أعلاه ، وإن تحدثت عن كل ارتباط أمر اللَّه به أن يوصل ، إلّاأنّ الارتباط الرحمي دون شك أحد مصاديقها البارزة .
لقد أعار الإسلام اهتماماً بالغاً بصلة الرحم وبالتودد إلى الأهل والأقارب ، ونهى بشدة عن قطع الارتباط بالرحم .
مختصر الامثل — صفحة 42
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٢